العدد 6072
الجمعة 30 مايو 2025
الخبرة... البداية من القاعدة
الجمعة 30 مايو 2025

في عام 1984، وخلال مرحلة مبكرة من مسيرتي المهنية، التحقت كمتدرب في قسم استثمارات الخزينة في أحد البنوك. لم أكن أملك إلا حماسًا مشتعلاً، ودفترًا صغيرًا أدوّن فيه كل ملاحظة، وبعض المعرفة النظرية التي سرعان ما اختبرها الواقع.

جلست أراقب، بصمت أولًا، ثم بفضول لا ينطفئ. كنت أستمع لأصوات المتعاملين، وأتابع حركة الأوامر، وأسجّل كيف تُبنى القرارات تحت ضغط السوق، وكيف تُدار المراكز الحساسة خلال تقلبات حادة.

في تلك الأيام، لم يكن هناك تداول إلكتروني ذكي، ولا توصيات سريعة تُرسل على الهاتف. كانت المهارة تُصنع أمامك: عبر الحدس المبني على التجربة، وعبر الحسابات الدقيقة، وعبر احترام قواعد لم تُكتب في الكتب.

تعلمت من الخطأ أكثر من الصواب. كنت أتراجع أحيانًا، وأخفق أحيانًا، لكنني لم أفقد الحافز.

مرت سنوات، حتى أصبحت متعاملًا أول، ثم رئيسًا للمتداولين، ثم مديرًا عامًا.

لكن ما لم يتغير من أول يوم وحتى اليوم: الخبرة لا تُكتسب بالمناصب، بل تُبنى بالمواقف... والمواقف لا تُواجه بثقة فارغة، بل بأساس متين.

الخبرة لا تُشترى، بل تُبنى

الخبرة الحقيقية لا تأتي بالادعاء، ولا تُختصر عبر القفز فوق المراحل، بل تُبنى خطوة بخطوة، من القاعدة. تبدأ بالاستماع، ثم بالملاحظة، فبالممارسة، فالخطأ، فالفهم العميق.

المدرب في بيئة السوق ليس دائمًا شخصًا، بل قد تكون السوق نفسها: تعلّمك بصمت، تؤدّبك بالخسارة، وتكافئك حين تنضج.

كثيرون يدخلون الأسواق بعقلية “أنا أعرف”، “سمعت توصية”، “هناك خبر جيد”، ثم يخسرون، فيسألون: لماذا؟

والجواب: لأنهم لم يبنوا القاعدة.

الثقافة التعليمية في فن الاستثمار

تعليم الاستثمار ليس رفاهية، ولا مجرد ورقة حضور.

إنه بناء ثقافة كاملة، تتطلب:

فهم أدوات السوق: من العملات إلى السلع إلى المؤشرات.

إدراك سيكولوجية المتداول: كيف تحمي نفسك من الطمع والخوف؟ كيف تتصرف عند الخسارة أو المكسب؟

إدارة المخاطر: كم تخاطر؟ ما حدود تحمّلك؟ وهل تعرف متى تتوقف؟

التخطيط والانضباط: هل تتبع استراتيجية واضحة؟ أم تتحرك برد فعل؟

الدورات ليست هدفًا، بل وسيلة. ليست مجرد ساعات تقضيها، بل تمكين ذهني وعملي يؤهّلك لدخول السوق بفهم، لا بدافع.

سلوك شائع: نعرف... ولكن!

نقابل كثيرًا من الأشخاص يقولون: “لسنا مستعدين لدخول السوق”.

جميل، هذا وعي.

لكن في اللحظة التالية، تراهم يفتحون حسابًا بناءً على توصية من صديق أو رسالة واتساب: “الساعة 10: السوق سيصعد!”

ويبدأون التداول دون خطة، دون وعي، ثم يبحثون عن تبرير للخسارة.

هنا تتضح المفارقة: المشكلة ليست في “عدم الجاهزية”، بل في أننا لا نحترم فكرة الجاهزية نفسها.

الخبرة تبدأ من القاعدة وتنتهي بالحكمة

كل متعامل ناجح مرّ بلحظات صعبة، وواجه قرارات تحت ضغط، وتعلّم من الفشل.

المهارة لا تُولد فجأة، ولا تُعطى من أحد. هي حصيلة تجربة، وتعليم، وتواضع معرفي.

ابدأ من القاعدة. افهم قبل أن تغامر. وتذكّر: السوق لا يرحم من لا يحترمه.

 

الخاتمة: لا تستهين بالبدايات

كما أن العمل البنكي بدأ بمقعد متواضع ودفتر ملاحظات، فإن بناء الخبرة الاستثمارية يبدأ بتواضع فكري، وشغف بالتعلّم، وصبر على المراحل.

لا تستعجل الوصول، ولا تتجاهل الأساس.

الخبرة... لا تُشترى، بل تُبنى.

* خبير مصرفي بحريني ومستشار اقتصادي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .