لا يحتاج الإعلام في عصرنا الحديث إلى أن يصرخ ليلفت الانتباه، ولا أن يفرض أفكارًا مباشرة ليؤثر، فالتأثير الخفي هو الأشد وقعًا، خصوصًا حين يُزرع في اللاوعي ويُغلف بالإقناع والترفيه والحياد الكاذب. فقد أثبتت الدراسات النفسية والاجتماعية، وعلى رأسها نظرية العدوى الاجتماعية والشعورية، أن المشاعر والأفكار تنتقل بين الأفراد كما تنتقل العدوى، وتجد البيئة الإعلامية أرضًا خصبة لهذا الانتقال، بل إنها تسرّع وتضخم من أثره. فعندما يشاهد الإنسان مشهداً مليئًا بالعاطفة، أو يُعرض عليه محتوى يُعيد تشكيل أفكاره تجاه فئة أو قضية، فإنه يتأثر دون أن يشعر، ويتبنى مشاعر قد لا تكون نابعة من ذاته، بل من الجماعة أو الرسالة التي يروج لها الإعلام.
في دراسة أُجريت بجامعة ييل، تبين أن الأفراد يتأثرون بمشاعر من حولهم على نحو لا واعٍ، بل إن المجموعات التي وُضع فيها ممثلون مدربون على إظهار مشاعر معينة (مثل الحماس، الهدوء، العدائية أو التوتر)، أثّرت على قرارات وأداء بقية الأفراد دون أن يدركوا السبب الحقيقي خلف تغير مزاجهم أو سلوكهم. قِس على ذلك استخدام هذا التأثير اللاواعي عبر الإعلام بشكل موجّه: برامج، تقارير، صور، نغمات موسيقية، وحتى نبرة المذيع! كل ذلك يُبنى ليقودك إلى استنتاج معين، أو لزرع فكرة محددة، أو لتغيير موقفك من دون أن تدرك أن الأمر لم يكن اختيارك بالكامل، بل نتيجة توجيه ناعم، لكنه فعّال.
وهنا تكمن الخطورة، فالإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل صانع للوعي، ومهندس للرأي العام. ونحن بحاجة إلى يقظة فكرية، لا تكتفي بمقاطعة المحتوى المضلل فحسب، بل بفهم آلياته. ولا يمكن الحديث عن الإعلام دون الإشارة إلى التجربة الغربية التي برعت في استخدام أدوات التأثير اللاواعي بشكل بالغ الذكاء. الإعلام الغربي لم يكتفِ بالتأثير الظاهري، بل عمّق حضوره في اللاوعي الجمعي عبر السينما، والإعلانات، والدراما، والموسيقى، وحتى الترفيه “البريء”.
وقد أظهر ذلك مدى قدرته على خلق توجهات وتغيير سلوكيات دون خطاب مباشر أو أمر صريح.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أن الإعلام موجّه في كل الحالات، فهو لا يعمل في فراغ، بل يتحرك لخدمة أهداف معينة، سواء كانت تجارية أو سياسية أو ثقافية.
ومن المهم أن نُدرك أن الإعلام، رغم خطورته عند سوء استخدامه، يبقى من أعظم القوى التي تمتلكها المجتمعات، عندما يُدار بوعي ومسؤولية.
إعلامية بحرينية ومدربة