+A
A-

سوق المحرق.. أزمة “باركات” بلا حلول

ترحب “البلاد” برسائل ومساهمات القراء، وتنشر منها ما لا يتعارض مع قوانين النشر، مع الاحتفاظ بحق تنقيح الرسائل واختصارها.
يرجى توجيه الرسائل إلى البريد الإلكتروني ([email protected]) متضمنة الاسم ورقم الهاتف.

في أي مشروع تطويري بالعالم، تبدأ الخطوة الأولى بدراسة التحديات التي تواجه المنطقة المستهدفة لمعالجتها أو تخفيفها. لكن يبدو أن سوق المحرّق، التي تعد وجهة مفضلة للخليجيين على مدار الأسبوع، بالإضافة إلى كونها سوقا تقليدية للبحرينيين، خرجت عن هذه القاعدة.

المشكلة الأبرز التي تُعاني منها المنطقة منذ سنوات، وهي نقص مواقف السيارات، تفاقمت بعد التطوير بدلًا من أن تتحسن، حتى في غير أوقات الذروة، ناهيك عن أوقات الازدحام التي تشهدها المناسبات الدينية كمنتصف شعبان ورمضان، أو الفعاليات الترويجية للسوق.

والسبب جليّ، فالسوق ليست مجرد منطقة تسوّق وحسب، بل هي نسيج عمراني معقّد يشمل محالّ تجارية مكتظة، ومجمعات، ومساكن لسكان بحرينيين وموظفين بالسوق وآخرين يقيمون في الشقق العلوية لبعض هذه الدكاكين والمباني الخلفية لها، إلى جانب تداخل أحياء سكنية قديمة (كفريج البنائين وجزء من فريج الحياك وغيرهم) تعاني أصلا من شحّ المواقف، ما يدفع سكانها إلى استخدام مواقف السيارات المخصصة للزبائن! وهنا يكمن الخطأ التصميمي الفادح: إهمال تحليل البيانات الدقيقة لعدد السكان والزوار البحرينيين والخليجيين المتوقع، وغياب التخطيط لاستيعاب الكثافة البشرية في مساحة جغرافية ضيقة.

وبدلًا من معالجة هذه الإشكالية، جاء التصميم الجديد ليُضيف مزيدًا من التعقيدات: إلغاء مواقف السيارات واستبدالها بأرصفة عريضة مُبالغ فيها، مزروعة بأحواض أصبحت - كما توقع الكثيرون - مقاعد للجاليات الآسيوية التي تتجمّع فيها مساءً، تاركةً خلفها أكواب “الكرك” وأكياس الوجبات السريعة مبعثرة. صحيح أن الجمالية مهمة، لكنّ الأولوية يجب أن تكون لحل المشكلات السابقة، خصوصا في منطقة تزخر بمحالّ صغيرة تعتمد على التردد السريع للزبائن، الذين يُضطرون الآن إلى ركن سياراتهم بجانب “أسواق المنتزه” البعيد نسبيا، أو الوقوف بشكل عشوائي يعرّضهم للمخالفات المرورية ويُفاقم ازدحام الشوارع.

المفارقة أن الحل لم يكن مستحيلا فلو وُظِّف مهندس مبدع لدمج الجمالية مع الواقعية، لكان بالإمكان تصميم مواقف سيارة تُضاعف الطاقة الاستيعابية مع الحفاظ على هوية السوق وعراقة المحرّق التاريخية. لكن التصميم الحالي - الذي يُشبه حديقة واسعة - أخفق في تحقيق التوازن بين الشكل والوظيفة، ما انعكس سلبًا على الحركة التجارية، وأثّر على سمعة السوق كمقصد سياحي وتجاري.

النتيجة أزمة تراكمية لا يُستفاد منها، والعتب الأكبر يقع على المصمم الذي تجاهل أولويات السكان والزوار، وعلى الجهات التي وافقت على تصميم غير واقعي. أما الحل فيتطلب خطة إسعافية عاجلة مثل إعادة تخصيص مساحات للوقوف، وتنظيم حركة المرور، ودراسة حلول ذكية أخرى كمواقف متعددة الطوابق مثلا.

استمرار الإهمال لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع الاقتصادي والاجتماعي لمنطقة تُعدّ إرثًا وطنيًّا بحاجة إلى إنقاذ.

البيانات لدى المحرر