منذ سنوات عبّر مرتادو موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك عن قلقهم من حجب بعض المنشورات والحسابات التي تتعلق بمساندة بعض القضايا العادلة وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني، وازدادت ضراوة هذه الممارسات من الشركة المالكة لفيسبوك منذ اجتياح قوات الاحتلال قطاع غزة في أكتوبر 2023 وإلى اليوم. وللتذكير، عقدت إدارة موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” في شهر سبتمبر من العام 2016 اتفاقًا مع السلطات الإسرائيلية يقضي بمراقبة المحتوى الفلسطيني على الصفحات والحسابات الشخصية بالموقع، وحذف كل ما يزعج السلطات الإسرائيلية من منشورات وصفحات وحسابات فردية أو لمؤسسات إعلامية فلسطينية.
يحدث ذلك في الوقت الذي أصبح فيه الفضاء الإلكتروني المتنفس الوحيد للتعبير بحرية عن الآراء، ونشر الأخبار وما يحدث هناك من وقائع وجرائم وحشية، وتجاوز الرقابة والقمع الذي تفرضه دولة الاحتلال وأذرعها المتعددة في العالم، لكن لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل صار “حرّاس المعبد الفيسبوكي” يطاردون كلّ من تسوّل له نفسه ذمَّ ممارسات الاحتلال على الفضاء الإلكتروني بتهمة معاداة السامية، فيجري حجب منشوره وإيقاف حسابه عقابًا على ما اقترفه من جرم وتهديد للكيان.
ومع اندلاع الحرب على غزة وإجماع شعوب العالم على مساندة المدنيين العزل الذين تجري إبادتهم، تضاعف جهد “حراس المعبد الفيسبوكي” للضغط على آلاف المستخدمين الذين ينشرون رسائل دعم للمدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، بعد أن شرد الاحتلال مئات الآلاف منهم وقتل وأصاب عشرات الآلاف بسبب الغارات الجوية، وما تلبث رسائل الدعم هذه أن تختفي بفضل البرمجة الوحشية لخوارزميات السيد مارك التي لا تبقي ولا تذر بمجرد أن تظهر كلمات مثل إسرائيل أو فلسطين، بل يتحول الأمر إلى ما يشبه العقاب الجماعي، دون النظر حتى إلى السياق.
وهنا يطرح العديد جدوى المنشورات المساندة للحق الفلسطيني، على أكبر شبكة تواصل اجتماعي؛ إذ تتعرض هذه المنشورات يومًا بعد يوم إلى التضييق والحجب. وتساءل آخرون هل حان الوقت لمقاطعة الفيسبوك؟ بل وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك فتساءلوا عن جدوى المساندة الفيسبوكية التي ركن إليها ملايين العرب، ولكنها إلى اليوم لم تغير شيئًا في الميدان، بل ربما أوهمت البعض أنه بمجرد نشر تدوينة مساندة أو صورة لضحايا القصف الهمجي في غزة قام بما عليه وأرضى ضميره الإنساني وحسّه القومي العربي، ونام قرير العين!
نعم أسئلة كثيرة لابد من طرحها والإجابة عنها في عالم تغيّرت فيه المفاهيم؛ فلا مفهوم التطور ظلّ على حاله ولا مفهوم العدالة ولا حقوق الإنسان ولا السلام ولا حرية التعبير.. كلها مفاهيم ضُرِب بها عرض الحائط حين ترى الأطفال الرضع تحت أنقاض المباني المدمّرة يستغيثون ولا من مجيب! وحين ترى عربات تجرّها الحمير تحمل المصابين والأموات في القرن الحادي والعشرين.. فعن أي تطور وتقدم تتحدّثون؟ وعن أي فيسبوك تدافعون أو تهاجمون؟.
* كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية