العدد 5731
الأحد 23 يونيو 2024
banner
البعد السياسي لريادة الأعمال ( 2-2)
الأحد 23 يونيو 2024

وفي الآونة الأخيرة عرفت الأسواق المزيد من الاجتهادات التي ألقت الأضواء على البعد السياسي لريادة الأعمال من بين الأبرز فيها كتاب “الاقتصاد السياسي لريادة الأعمال” من تأليف ماغنوس هنريكسون، الذي يكرس عمله، لدراسة شاملة تشخص التقاطع بين الاقتصاد السياسي وريادة الأعمال. ويغوص هنريكسون، وهو خبير اقتصادي بارز، عميقًا، في أعماق الطرق التي تؤثر بها المؤسسات السياسية والسياسات الاقتصادية والسياقات الثقافية على أنشطة ريادة الأعمال.

وفيما يلي مراجعة تفصيلية للكتاب:
يتمحور عمل هنريكسون حول فكرة أن ريادة الأعمال لا تحدث في الفراغ. وبدلا من ذلك، فهي متجذرة بعمق في البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأوسع وتتأثر بها. ينقسم الكتاب إلى عدة فصول، يتناول كل منها جوانب مختلفة من الاقتصاد السياسي لريادة الأعمال، بما في ذلك دور المؤسسات والسياسات والمعايير الثقافية.

ويمكن قراءة كتاب هنريكسون بعد توزيع مواده على المحاور الرئيسية:

الأطر المؤسسية، التي يجادل فيها هنريكسون بأن البيئة المؤسسية، بما في ذلك الأطر القانونية والتنظيمية، تؤثر بشكل كبير على أنشطة ريادة الأعمال. ويسلط الضوء على كيف تخلق النظم السياسية وهياكل الحوكمة المختلفة فرصا وقيودا متنوعة لرواد الأعمال. ويتوقف الكاتب عند أكثر من محطة هنا كي يسلط الأضواء على أهمية حقوق الملكية وإنفاذ العقود وسيادة القانون في تعزيز بيئة مواتية لريادة الأعمال.

السياسات الاقتصادية: ومن الأطر المؤسسية ينتقل هنريكسون إلى السياسات الاقتصادية، حيث  يدرس المؤلف دور السياسات الاقتصادية، مثل الضرائب والإعانات وأنظمة سوق العمل، في تشكيل سلوك ريادة الأعمال. ويقدم تحليلا مقارنا لمختلف البلدان، مبينا كيف يمكن لخيارات السياسات أن تحفز أو تخنق نشاط ريادة الأعمال. يشدد هنريكسون هنا على الحاجة إلى سياسات تشجع الابتكار والمخاطرة مع ضمان المنافسة العادلة وحماية المستهلك.

التأثيرات الثقافية: يكتشف هنريكسون هنا البعد السياسي للعوامل الثقافية، وانعكاس ذلك على الهوية السياسية لرواد الأعمال بما في ذلك الأعراف والقيم الاجتماعية. 

ويناقش هنريكسون عند هذه النقطة  كيف تؤثر المواقف المجتمعية تجاه المخاطر والفشل والنجاح على مستوى نشاط ريادة الأعمال السياسي في المناطق المختلفة من العالم. ويدرج هنريكسون عند هذه النقطة دور التعليم ورأس المال الاجتماعي في رعاية عقليات ومهارات ريادة الأعمال، لتزيدها بالخلفية السياسية التي تساعدها على تعزيز البعد السياسي  في تكوينها السلوكي.


4. ريادة الأعمال والنمو الاقتصادي:  يقدم هنريكسون حجة قوية للصلة بين ريادة الأعمال والنمو الاقتصادي. ويقدم أدلة توضح كيف تساهم أنشطة ريادة الأعمال في الابتكار وخلق فرص العمل والتنمية الاقتصادية الشاملة.  يستكشف الكتاب أيضا مفهوم ريادة الأعمال “المنتجة” مقابل “غير المنتجة”، بحجة أن الأول يؤدي إلى خلق الثروة والفوائد المجتمعية ، في حين أن الأخير قد ينطوي على سلوكيات البحث عن الريع التي لا تساهم في النمو الاقتصادي.

ويتوقف هنريكسون بعمق كي يشخص عناصر القوة ومكونات الضعف في البعد السياسي لريادة الأعمال على النحو التالي:
1. نقاط القوة:
‌أ. تغطية شاملة: يدرس كتاب هنريكسون بدقة العوامل المختلفة التي تؤثر على ريادة الأعمال. يوفر فهما جيدا للأبعاد السياسية والاقتصادية لريادة الأعمال.
‌ب. التحليل المقارن: يعد استخدام التحليل المقارن عبر مختلف البلدان والأنظمة نقطة قوة كبيرة. يسمح للقراء بمعرفة كيف تؤثر الخيارات المؤسسية والسياسية على نتائج ريادة الأعمال.
‌ج. توصيات السياسة: يقدم الكتاب توصيات سياسية عملية تستند إلى أدلة تجريبية. هذه التوصيات قيمة لواضعي السياسات الذين يسعون إلى خلق بيئة أكثر ملاءمة لريادة الأعمال.
2. نقاط الضعف:
‌أ. التعقيد: قد تجعل الطبيعة التفصيلية والأكاديمية للكتاب تحديا للقراء الذين ليس لديهم خلفية في الاقتصاد أو العلوم السياسية. يمكن أن تكون المناقشات النظرية الكثيفة شاقة للجمهور العام.

ب. التركيز على الاقتصادات المتقدمة: بينما يتضمن الكتاب أمثلة من مختلف البلدان، ينصب التركيز الملحوظ على الاقتصادات المتقدمة. ومن شأن إجراء مناقشة أكثر شمولا لتنظيم المشاريع في البلدان النامية أن يوفر منظورا عالميا لفهم علاقة التأثير السياسي المتبادل بين ريادة الأعمال والعمل السياسي.

بفضل تلك الرؤية المتكاملة للبعد السياسي لريادة الأعمال، أصبح النظرة لكتاب ماغنوس هنريكسون “الاقتصاد السياسي لريادة الأعمال” على أنه مساهمة كبيرة في الأدبيات حول ريادة الأعمال. ويبدو ذلك جليًا عندما يكتشف القارئ تلك الرؤية التفصيلية والدقيقة لكيفية تشكيل العوامل السياسية والاقتصادية لأنشطة ريادة الأعمال.

فضل ذلك يتحول الكتاب إلى مادة ثمينة لصانعي السياسات والاقتصاديين والباحثين المهتمين بتقاطع ريادة الأعمال والاقتصاد السياسي. على الرغم من تعقيده، فإن التحليل الشامل للكتاب والرؤى العملية تجعله قراءة جديرة بالاهتمام لأولئك الذين يسعون إلى فهم السياق الأوسع الذي تحدث فيه ريادة الأعمال.

بفضل ذلك يكتسب الكتاب أهمية خاصة، ومتجددة لفهم كيفية تفاعل الشركات مع الحكومة والمجتمع. فمع استمرار رواد الأعمال في تشكيل المشهد الاقتصادي، ينمو تأثيرهم في الساحات السياسية، مما يستلزم في كثير من الأحيان إعادة تقويم النماذج السياسية والمالية التقليدية لاستيعاب الطبيعة الديناميكية لريادة الأعمال الحديثة. هذا التقاطع بين ريادة الأعمال والسياسة أمر حيوي لتشكيل السياسات التي تدعم النمو الاقتصادي المستدام والشامل.

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية