العدد 5661
الأحد 14 أبريل 2024
banner
النقد الذاتي بعد الهزيمة
الأحد 14 أبريل 2024

لسبب ما يصعب تحديده، ألح علي كتاب “النقد الذاتي بعد الهزيمة” لمؤلفه المرحوم د. صادق جلال العظم. والمقصود بالهزيمة هي هزيمة العرب أمام العدو الصهيوني، في زمن خرافي لم يتجاوز دقائق الساعة الواحدة ذات الستين ثانية. وكي ندرك أهمية الكتاب، نستحضر هنا فقرات من نعي د. العظم الصادر عن “الاتحاد العام للأدباء والكتاب” الذي وصف المؤلف بـ “المفكر العربي”.
تستهل النعي فقرة تقول “ يرحل الجميع، فتلك سنّة لا مهرب منها. غير أنّ الرحيل شيء، والغياب شيء آخر، لاسيّما عندما يكون الحديث عن كبارٍ تفرّدوا، وكانوا علاماتٍ تدلّ على نفسها بنفسها، وحدهم الكبار لا يتساوى رحيلهم بالغياب، وصادق جلال العظم المفكر العربي المرموق حاضرٌ من قبلُ ومن بعدُ، فهو علامة، وهو مسيرة، وهو تجربة”.
وقد أثرى د. العظم المكتبة العربي بمجموعة من المؤلفات الأخرى، الأبرز بينها: فضلاً عن “النقد الذاتي بعد الهزيمة، كتب: “نقد الفكر الديني”، (1969)، و”الاستشراق والاستشراق معكوسا”، (1981)، و “ما بعد ذهنية التحريم”، (1992).
ولعل من يلقي نظرة على الواقع العربي اليوم، لا يستطيع إلا أن يستحضر ما تناوله د. العظم في كتابه “النقد الذاتي بعد الهزيمة” عند توصيفه لسلوك الشخصية العربية التي أطلق عليه د. العظم صفة “الفهلوية”، في تعاطيها مع القضايا المفصلية التي تمر بها الأمة العربية.
ورغم إشارة د. العظم في العام 2007 أن مادة الكتاب عانت من “التسرع والإرتباك” كونها أنجزت في فترق قصيرة نسبيَا، مقارنة بحجم تلك “الهزيمة”. لكن المؤلف نجح بامتياز، في وضع يده على الجرح العربي بشكل مسؤول، عندما أكد على أن الهزيمة لم تحصر نفسها في النطاق العسكري فحسب، بل أامتدت كي تسيطر على سلوك ونهج جيلًا كاملًا عاش تلك اللحظات.
فجيل هزيمة العرب أمام الكيان الصهيوني، لا يزال يعاني من تداعيات تلك الهزيمة، التي باتت تسيطر على تفكيره السياسي، وتوجه رؤيته التي تصاحب ذلك السلوك وتسيطر على رؤيته للأمور.
فقد جاء كتاب “النقد الذاتي بعد الهزيمة”، الذي صدر في وقت قياسي أعقب الهزيمة،  كي يسجل كما قال عنه الفيلسوف والمترجم التونسي، صاحب العديد من المؤلفات، والذي يشغل منصب أستاذ تعليم عال في جامعة تونس فتحي المسكيني  تسجيل ديناميكي لـ”الأثر الانهياري المهول الذي تركه ذلك السقوط اللحظي المريع في جيلنا- جيل الستينيات كما يسمى أحيانًا- بأكمله”. 
لم يكن كتاب د. العظم الأول من نوعه في تناول أسباب الهزيمة العربية، ونقد الذات أمام  الحركة الصهيونية فقد سبقه إليها، المؤرخ الرائد د. قسطنطين زريق، في كتابه  والذي صدر في بيروت في العام 1948 مباشرة بعد هزيمة 1948، وانتهت بتأسيس دولة الكيان الصهيوني، وحمل عنوان “معنى النكبة”.

كان كتاب د. زريق كما يقول عنه د. السيد يسين “علامة على موجة النقد الذاتي التي أعقبت الهزيمة، و(التفاتة)  إلى ضرورة تشخيص أسباب الهزيمة. وتكمن أهميته أيضا في أنه لم يقف عند الأسباب العسكرية وحدها، ولكنه تطرق إلى الأسباب الحضارية والاجتماعية والسياسية... وأهمية التغيير الموضوعي لنوع التفكير السائد وأنماط التصرف والسلوك، ورأى أن دخول العرب العصر الحديث ومشاركتهم فيه تقتضي الاعتماد على التكنولوجيا وفصل الدولة عن الدين، وتدريب العقل العربي على التفكير العلمي”.
ودون أن يعفي د. العظم الجيوش العربية من مسؤوليتها في “هزيمة 1967”، نجده يركز على نمط السلوك الاجتماعي الحضاري الذي يسيطر على ذهنية ما أسماه بـ الشخصية الفهلوية”. وهو سلوك يسيطر على الذهنية العربية، ويشكل نسبة عالية من ردود فعلها تجاه الأحداث التي تواجهها، بما فيها تلك الحروب العسكرية.
ومن أبرز علامات سلوك “الشخصية الفهلوية”، كما يصفها د. العظم، هي قدرتها الفائقة على التنصل من المسؤولية عندما تقع الكارثة. ولا يقف التنصل عند حدود الإبتعاد عن سبب الفشل، بل يمتد كي يصل إلى، حتى محاولة، المشاركة في تقليص تبعاته اللاحقة، ومطالبة الآخرين بتحملها. 
يترافق ذلك مع عشق “الشخصية الفهلوية” بالغرق في مستنقعات الأمجاد السابقة التي أكل عليها الدهر وشرب، بدلًا من مواجهة تعقيدات مشكلات اليوم، بالصراحة المطلوبة، والجرأة المتزنة. لذلك نجدها تتمسك بأهداب الحرس القديم، وترفض الإنضمام لقوات أجيال المستقبل. وتمتد خشيتها من أي تغيير إصلاحي  تحمله أجيال المستقبل، فنجدها تتغنى بأمجاد الماضي، فتبدي اهتمامًا متزايدًا بالأواصر القبلية، وتروج لقيم أكل عليها الدهر وشرب، لمواجهة دعوات تحث على التغيير.
 هذا يجعل من كتاب د. العظم “النقد الذاتي بعد الهزيمة” كتابًا هامًا، يجدد نفسه أمام كل مشكلة، حتى عندما لا تصل إلى مستوى “الهزيمة” كما وصفها العظم، أو “النكبة” كما أطلق عليها د. زريق. 
نحن اليوم أمام مفترق طرق، بين أن نواصل معالجة الواقع العربي المهزوم والمأزوم في آن، بسلوك “الشخصية الفلهلوية” التاريخية، بالمفهوم الزمني لمصطلح “التاريخية”، أو بالشخصية “المستقبلية” بالمفهوم الحضاري المتقدم والمتطور لمصطلح “المستقبلية”. وليس هناك من خيار ثالث وسطي بينهما. فهذا الخيار الثالث يعيدنا حتمًا إلى مربع “الفهلوية “ الأول. وهذا خيار لا يمكن الخنوع له، أو حتى مجرد التجاوب مع دعواته.

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية