فيلم "حرب فيتنام" محاولة غبية لتزييف التاريخ
محمد الماجد ناقدا سينمائيا 2-2
لقد عرفنا الأديب والصحافي الكبير محمد الماجد رحمه الله ( 1945 – 1986 ) قاصا وروائيا وناقدا من الطراز الفريد، ومعظم كتاباته لامست الأدب والشعر والرواية ولكن نادرا ما كان يكتب عن السينما..
البلاد" تنفرد بنشر المقال النقدي الثاني للماجد بعنوان "الحرب الفيتنامية في فيلم امريكي ..القبعات الخضراء " يعود الى العام 1968 وهو فيلم حربي من اخراج وتمثيل جون وأين.
كتب الماجد:
لا اعتقد بان أحدا يمكن أن يشك في أن نصف تاريخ البشرية هو مجموعة من الأكاذيب والاحداث المزيفة، ويبدو أن ثمة ابطال عظام، وشرفاء دفنوا في مقابر النسيان، لان الذين انتصروا عليهم أرادوا ان يمجدوا أنفسهم.
وان المتأمل لهذه الحقيقة يجدها على نحو ما صحيحة بشكل صارخ.
وهذا بالضبط هو ما حمل مارك توین على القول : لو نطقت الأموال لأصبح التاريخ مجموعة من الأكاذيب.

في الحرب العالمية الثانية حدثت قصة بسيطة تؤكد هذا الزيف الذي يمتزج بالمداد الذي يسطر به التاريخ ، اذ يروى ان حوارا بين رجل إنجليزي وضابط نازي في قرية اجتاحها النازيون . وفى نهاية الحوار قال الرجل الإنجليزي للضابط النازي. غدا سيدينكم التاريخ : فرد الضابط قائلا وكان واثقا من انتصار النازية.. ولكن نحن الذين سنملي التاريخ.
ولم تمل النازية هذا التاريخ ، وانما أملته الامبريالية المنتصرة، وعلى كل حال فأن هذا التاريخ سيكون في كلا الحالتين تاريخا كاذبا.
هذه الافكار شغلت ذهني بعد أن شاهدت فيلم " حرب فيتنام " ، أو القبعات الخضراء The green Berets
الذي كتب قصته روبن مور وانتجه واخرجه ومثله جون واين، والذي عرض في الأسبوع الماضي.
واقل ما يوصف به هذا الفيلم، هو انه سخيف. وان للذين صنعوه عقلية تافهة وغبية، والفيلم لا يكتفى بتزييف التاريخ فقط، وانما يحاول بطريقة فجة طمس الحقيقة التي يمثلها ايمان الفيتنامي بحريته وكرامته. ودفاعه الوحشي ضد الغزاة الذين جاءوا لخنقه واحراقه. والفيلم يعكس العقلية الأمريكية التي كثيرا ما رأيناها في افلام الهنود الحمر، فالفيتناميون في الفيلم عصابة شريرة، ومريضة، اما الجندي الأمريكي فهو وحده الشجاع.
وبطريقة مضحكة، وزائفة، يحاول الفيلم تمجيد المفاهيم الخلقية للجندي الأمريكي، صديق الاطفال، وحامي حمى الارامل، والذي يضحى بنفسه في سبيل حرية الانسان.. والى آخر هذه السلسلة من الاكاذيب الرخيصة التي ما عادت تفوت على ابسط الناس، وأقلهم معرفة بأساليب الدعاية الأمريكية.
فيلم " حرب فيتنام " محاولة غبية لتزييف التاريخ، وهي غبية لأن امثال هذا الفيلم لا يمكن ان يكون الكلمة الأخيرة في هذه الحرب، لأن الحرب الفيتنامية لن تنتهي بالصورة التي يحلم بها صانعوا الفيلم، وانها ستنتهى بكل تأكيد، مخيبة لآمالهم.