قد تهب علينا نحن البشر موجات عديدة من الظواهر والأفكار التي تأخذ حيزًا أو نصيبًا من اهتماماتنا، وتصبح حديثًا حلوًا أو مرًا تتداوله الألسن والأقلام، وتختلف معها درجات التأثير والتأثر حسب الاحتياج الفعلي لمن تلامسهم من قريب أو بعيد، خصوصا عندما تلحف بحكمة أو قول مأثور، لذلك رحت أبحث حول نص القضية لأرى فريق مؤيديها ومعارضيها من الجهة الأخرى، وفي الحقيقة لم أرَ سواي من المعارضين حتى اللحظة، إذ كثروا بالحجج والبراهين حول إتقان فن المسافات في العلاقات مع البشر، وأكثروا الإسناد إلى ما يحدث وما يجب أن يكون حتى نحافظ على الود والاحترام في علاقاتنا ببعضنا البعض.
ويؤكد بعض الكتاب والمختصين أن النجاح في العلاقات يكمن في إتقان فن المسافات، كما في المسافة بين الأرض والشمس وهي التي حمت الأرض من الاحتراق والتجمد! مهلا.. لا أتفق هنا مع تفسير المسافة في العلاقات بمسافة الابتعاد بين طرف وآخر، فكيف أنجح في علاقاتي البشرية بمقياس المسافات؟ وأين درجات المسافات المسموحة في كل علاقة؟ عندما نتحدث عن الفن والإتقان فإننا نحتاج إلى استراتيجية وخطوات لإتقان تلك المهارة، وهي بالتأكيد لن تساعد في نجاح العلاقات غالبًا، لأنها تجعل الإنسان بين تذبذب وتردد في تطوير العلاقة، خصوصا إن اعتمد في ذلك على ردود الأفعال للطرف الآخر، وبهذا تدخل المزاجية في المواقف والحكم عليها، فتبقى العلاقة بين مسافة تزيد وتقل.. مع مخاوف الاقتراب وكسر الحواجز التي تجعل الطرفين في وئام ومصارحة كما هي مصارحة مع الذات، ورحت أبحث في الحجج الكثيرة، والتي جاءت في أغلبها بما قد يلحق الأشخاص من ضرر وأذى جراء اقترابهم من بعضهم البعض، لذلك يرون أن فن إدارة المسافات هو الذي يحافظ على العلاقة، وهي إدارة محكومة بالاقتراب حينًا والابتعاد حينًا آخر.. لماذا تأتي بالفعل وضده في نفس الوقت؟ وهنا أقول لهم: لم هذا العناء ونحن بحاجة ماسة للاقتراب من الله بأفعالنا وعباداتنا؟
لذلك، فإنني وبعد بحث طويل في الأمر، أرى أن أساس نجاح العلاقات في تلك المساحة المفتوحة التي تجعل من الطرف الآخر مرآة لعيوبي تساعدني في تصحيحها، ونافذة أرى من خلالها محاسني كي أسعى لتطويرها، فلا حاجة لنا أعزائي القراء لإتقان فن المسافة أبدًا لمن تختارون قربهم وودهم واحترامهم، فهذا أساس البقاء.
* كاتبة وأكاديمية بحرينية