+A
A-

رسالة مهرجان كان السينمائي.. أفلام ضد العنصرية وللمشاهدة و السخرية!

R.M.N. .. العنصرية تتفجر في رومانيا!
يعتبر المخرج الروماني كرستيان منجيو احد ابرز الرهانات السينمائية الرومانية والاوروبية بالذات بعد تالقه في تقديم فيلم ”اربع اشهر وثلاثة اسابيع ويومين“ الذي نال عنه السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الدولي العام 2077 ليحقق قفزة كبري عبر لغته السينمائية والاحترافية العالية التى تعامل بها مع موضوع يتناول بالنقد العميق لمرحلة الرئيس الروماني الاسبق اندرية تشوتسكو . 
واليوم حينما يعود كرستيان منجيو الى كان فانه يقدم لنا تجربة سينمائية لا تقل اهمية ومكانة عنه جملة تجاربة السابقة ومنها حكايات العصر الذهبي و جاف التلال و التخرج من البكالوريا. 
فيلمه الجديد يحمل عنوان R.M.N. وهو اختصار لمصطلح ”الاشعة السينية للدماغ“ حيث يقدم لنا منجيو فيلم محكم الصنعة متماسك كما تكشف لنا الاشعة السينية فانها يعمل على التركيز على الحالة الراهنة لرومانيا ولا يتردد في الكشف عن عناصر الخلل في التحول الاجتماعي والنقد الصريح للعنصرية الواضحة تاره اتجاه الغجر واخري اتجاه العماله الاجنبية القادمة من اسيا على وجه الخصوص التى يرفضها المجتمع الروماني كما يرفض العرب والمسلمين وكل الملونيين . 
تجري الاحداث فبيل ايام قليلة من اعياد الميلاد حيث يفترض ان تتجمع وتتوحد الاسرة الرومانية او الاوروبية بشكل عام . حيث نتابع حكاية ماثيو الروماني الذي يفقد عمله في احدي مذابح الاغنام في المانيا حينما يصفة احد زملاءه في العمل بالغجري  مما يضطره الى ضربة والهروب عائدا الى احدي مدن  رومانيا بعيد عن العاصمة بوخارسيت . وهي مدينة ترانسلفينان المليئة بعدد الطوائف والاديان . في البداية يواجه حادثة غريبة تعرض لها ابنه الصغير خلال توجهه لمدرسته جعلته عاجز عن النطق والخوف من العودة الى ذات الطريق الذى يسير به يوميا ويحاول ماثيو مرافقة طفله يوميا للعودة التدريجية للمدرسة  . كل ذلك على خلفية توتر العلاقة من زوجته ومحاولته لعودة العلاقة مع حبيبته السابقة والتى انفصلت عن زوجها وهذة الاخيرة تدير احد المخابز الالكترونية التى تامن الخبر للمنطقة والتى تضطر امام الحاجة للعمالة ان تستعين بعماله قادمة من سيرلانكا امام الكلفة المرتفعة للايادي العاملة الرومانية او تلك القادمة من اوروبا . 
ولكن القرية تشتعل عضبا عنصريا رافضه العمالة التى جاءت من سيرلانكا بحجج واهية تاره بالاتهام بانهم مسلمون وبعد الاكتشاف بانهم مسيحون تاتى الاتهامات بانهم ليسوا من اوروبا وايضا الاتهام الكاذب بانهم لا يتمتعون بالنظافة وغيرها من التهامات التى تظل تحاصر العماله في كل مكان عبر طرح عنصري شوفني اعمي لا يري التغيير والمنطق والتطور الحقيقي واحتياجات كل بلد من اجل النهوض . 
تتداخل الاحداث طفل فقد النطق لا نعرف حيثيات الحادثة فهل تعرض للتحرش او شاهد دبا وهو يقطع الغابة الى مدرسة ورجل بلا عمل وقسيس يحاول ان يسترضى سكان القرية على حساب القيم الدينية والانسانية الكبري وشابة تحاول ان تساعد بلاده من خلال المصنع الذي تديره والمجهز تقنيا وبموصفات صحية وانتاجية عالية الجودة . 
حتى يأتي المشهد الاكثر اهمية والمدهش الثري حيث يلتقي ابناء القرية بجميع اطيافهم عبر مشهد ثابت لاكثر من ربع ساعة وحوار يبدا منذ اللحظة الاولي وهو يعزف على اوتار العنصرية البحته التى تغرق بها رومانيا والكثير من دول العالم ضد كل ما هو اجنبي وملون ومختلف . 
مشهد سينمائي يعرفنا عن حالة الاقتدار العالي المستوى الذى يتمتع به هذا المبدع الروماني الرصين كرستيان منجيو الذى قام ايضا بكتابة السيناريو والحوار من خلال لغة تحمل التصادم والمواجهة والكشف الصريح للذات المتطرفة والتى لا ترضي بالحوار او التفاهم . 
سينما كرستيان منجيو سينما تذخنا الى التحليل الصادم والدخول في التباسات يظل محورها الاساس تسليط الضوء على القضية المحورية . ففي عالم العنصرية ستسكت الاجيال ولن تستطيع المضي الى المستقبل وستكون هناك عزله بين الاجيال والطوائف وقبل كل هذا وذلك لن تكون البلد قادرة على المضي قدما وتلبية احتياجات عبر الاستعانه بالعمالة المتخصصة من انحاء العالم . 
وفي المشهد يبلغ ماتيو عن انتحار والده وفي مشهد يعمل على كشف الكثير من الغموض ومن بينها ان مشاهدة ابنه وهو في الطريق الى المدرسة حلما عن رجل منتحر وكانه يري المستقبل وحينما يحاول ماثيو للحماية ابنه يكتشف بانه الغابة مليئة بالدببة التى تمثل التوحش الذي يحيط به وبالتالي بلاده ومستقبله وعلاقاته الانسانية والاجتماعية . 
قدم شخصية ماثيو ”مارين جريجور“ باداء عال ومفهم كبير للشخصية والاشكاليات التى تعانى منها والظروف التى تحيط به ومن بينها العنصرية المكتومة والعلاقة المزدوجة بين زوجته وحبيبته وايضا غضب اهل القرية وعنصريتهم الصريحة . 
مدير التصوير تيدور فلاديميير باندرو واحد من الرهانات الايجابية للفيلم عبر الحلول البصرية التى قدمها بالذات في مشهد الاجتماع الذى انتقل من الكنسية الى المركز الثقافي وكان المؤسسة الدينية والسياسية والاجتماعية بكاملها متطرفة عنصرية رافضة للاخر حتى الغجر من ابناء البلد الروماني . 
كرستيان منجيو يدق ناقوسا كبيرا، احذروا العنصرية لانها انتحار للاجيال وصمت للجيل المستقبل ودمار سياسي واجتماعي شامل.. هكذا تكون السينما حينما تذهب الى الحقيقة.
   
”مثلث الحزن“: السويدي روبين اوستلاند يسخر من عالم الاثرياء!
فاز المخرج السويدي روبين اوستلاند في العام 2017 بجائزة السعفة الذهبية عن فيلمه ”المربع“ الذي وصف خلاله حكاية مدير المتحف الوطنى السويدي الذى يجد نفسه في متاهه حينما يفقد هاتفه عبر حكاية ترحل به الى عوالم عدة من بينها الم ومعاناه الاجئين في السويد . 
واليوم يعود اوستلاند بفيلم هو السخرية في صنامها وعلوها عبر فيلم ”مثلث الحزن“ وهي منطقة بين الحاجبين تمثل اول الاشارات للحزن يلاحظها كل من يتعامل مع التصوير واختبار عرضوا الازياء حيث لا يتم اختيار تلك العناصر مهما كانت مواصفاتها اذا كانت ذلك المثلث حاضرا لانه يؤثر على صورة وشكل العارض او العارضية . 
فيلم ”مثلث الحزن“ يرحل بنا من خلال حكاية الموديل كارل وصديقته العارضة يايا الى عوالم الثراء والشهرة . حيث يتم توجية لهما دعوة على احدي السفن البحرية (الكروز) للقيام بجوله مع مجموعة من كبار الاثرياء . في تلك السفينة كل شي محكوم ومرتب ومعد بطريقة مرتبة حتى اللحظة التى تهب بها عاصفة بالذات في حفل العشاء الذي يقيمة الكابتن والذى نكتشف ادمانه . عنده يفلت العيار كما يقول المثل الدراج . عاصفة جديدة تميل بالسفينة الضخمة من لم يسكر سيسكر ومن لم يشرب سيدور راسة ويعلو الحوار الساخر بين الركاب بالذات بين الثري الروسي والقبطان الاميركي وغيرهم من الاثرياء . في الحين الذى نشاهد به العمال من العديد من دول العالم الثالث يقضون عملهم بصمت في السرداب .. وفي تلك الاثناء تهاجم مجموعة ارهابية السفينة وتفجرها.
المشهد الثاني بعد السفينة في الجزيرة حيث تسيطر على الجزيرة والمتبقين من ركاب السفينة عاملة تنظيف الحمام الفلبينية لانها تعرف ان تصيد وصناعة النار وغيرها بنما الاثرياء لا يعرفون اي شي .. 
ونعود الى المشهد الاول الخاصة بالسفينة حيث تتزامن العاصفة مع كمية كبيرة من الاستفراغ وايضا انفجار المراحيض في تزامن غريب ساخر من كل عوالم الثراء والنجومية والموضة والعنصر البشري الذى يتصور نفسه فوق الاخرين . مشهد يمتد لاكثر من نصف ساعة يحلل طبيعة العلاقات التى تجمع القوي العظمى ونوعية الاختلاف والهوة الواسعة والانهيار المجلجل في تلك السفينة ودلالاتها وعدم القدرة للوفاء بالالتزامات العملية لاحقا الا من خلال العناصر الاضعف في السفينة وهم العمال من دول العالم الثالث الذين يتحملون اعباء الحياة في الجزيزة بعد انفجار السفنية وغرقها . 
في الفيلم مجموعة من النجوم من بينهم الاميركي وودي هارلسون بدور القبطان المدمن ودولي دي يليون بدور اباجيل العاملة الفلبينية التى تكون لها القيادة لاحقا وهناك ايضا الجميلة شارلبي دين بدور العارضة وبدور صديقها كاري الممثل السويدي هاريس ديكنسون.
حكاية رمزية الا ان دلالاتها الساخرة جعلت نقاد العروض الصحفية في مهرجان كان السينمائي يغرقون بالضحك والقهقة وهم يعلمون جيدا بان تلك السخرية هو احدي مفردات اوستلاند السينمائية الساحرة والذكية والعمية، حيث السخرية من عالم الاثرياء والموضه وايضا التذكير بان الغد للعمالة المتخصصة التى تظل دائما في الادوار السفلي ولكنها تظل قادرة للذهاب الي المستقبل . 
  
”تحت شجر التين“: السينما التونسية تعزف على نغمة الحب والارض
ضمن انتاج تونسي ”سويسري وفرنسي وقطري“ ياتى فيلم ”تحت شجر التين“ والعنوان الفرنسي ”تحت شجر التين“ للمخرجة التونسية اريج السخيري ضمن العروض الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي وضمن تظاهرة – اسبوعا المخرجين - . قصيدة سينمائية هي البساطة والعمق وهي الكتابة الخالية من التكلف والمتن المحوري الى مجموعة من الحكايات والحوارات تعزف على ايقاع الحب والارض والتين والامل . 
فيلم ”تحت شجر التين“ حكايات العمالة التى تذهب الى تجميع التين في موسم الحصاد وهى تحمل معها حكاياتها والمها وايضا البحث عن الحب والدفء الانساني والعلاقات التى تمتد جيل بعد اخر . 
فتيات شابات نسين الحلم من اجل مساعدة الاسرة التى تعيش على حافة الفقر . وهكذا هم مجموعة من الشباب الذين يحملون معهم الحلم المؤود تحت ظلال التين الذين يشكل موسم حصاده فرصة للتلاقي مع احلام الامس والغد وايضا الحصول على اجر يومي يغطي تكاليف الحياة . 
سينما بلا تكلف او حتى شعارات بقدر ما هو تقرير عن حالة الوضع الراهن في تونس بعيدا عن السياسة قريبا من الضغوط الاقتصادية . الى حيث جيل يظل يراهن على امل قريب بعيد التحقيق . 
تحت اشجار التين حيث يتحول الحقل الى مسرح كبير من الاحاسيس والالم والصور والشخوص التى تظل تتمحور حول هدف اساسي هو الحلم والحب والغد وهى معطيات ومفردات تظل بمثابة الرهان البعيد المنال. فموسم الحصاد قصير سريع لا يحقق الحلم حتى في بناء علاقة جديدة او استعاده قديمة. 
ولكن الموسم يبدا مع الحلم وينتهي مع زغاريد العودة الى الاهل تركين خلفهم احلامهم وذكرياتهم وايضا ظلالهم التى ارتسمت على تلك الاشجار الشامخة والباسقة والتى تظل تعطي وتثمر رغم الالم .. وهكذا هو الانسان تحت تلك الظلال والانحاء، سينما عذبة، سينما ثرية تلك التى تقدمها اريج السخيري يظل محورها الانسان وتونس، وهي دعوة للمشاهدة والتامل.