فقدت البحرين اليوم أحد أبنائها البررة ورجالها الأوفياء الذين خدموا وطنهم بكل حب وإخلاص، ونذر حياته من أجل وطنه، ذلك هو الأستاذ ماجد جواد الجشي رحمه الله الوزير والمستشار وأول مهندس بحريني، بل هو أول مهندس خليجي عمل في الهندسة وتخصص فيها، حيث نال شهادة البكالوريوس في الهندسة من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1955 ثم عاد لوطنه ليبدأ مسيرته المهنية كمهندس في وزارة الكهرباء والأشغال.
تقلد أول منصب وزاري في العام 1975، حيث عين وزيراً للأشغال والكهرباء والماء، وهناك بدأت علاقتي به وتعرفت عليه عن قرب، حيث لمست فيه القائد والمعلم والأب، والرجل الوطني المخلص الحريص على مصلحة وطنه وأبنائه، كان همه الأول وشغله الشاغل هو التطوير والتدريب لكل بحريني وخاصة المهندسين، ولا أزال أذكر عندما تقدمت للعمل في وزارة الكهرباء وقابلني عدة مهندسين أجانب واستطعت أن أجيب عن جميع الأسئلة التي طرحت عليَّ، بكل جدارة بسبب خبرتي في محطات بابكو على مدار سبع سنوات، ولكن أحد الممتحنين الأجانب قال لي رغم تمكنك من الإجابة ومستواك المتميز لا تتفاءل كثيرا؛ لأن خبرتك قليلة بالنسبة للآخرين الذين لديهم خبرة تفوق الثلاثين عاماً، فقلت له إن من أمضى ثلاثين عاماً وهو في نفس المنصب لابد أنه ليس جديراً بهذه الوظيفة في وزارة الأشغال والكهرباء والماء، وأنا بحريني وأستحق الوظيفة، فالتقط الأستاذ ماجد إجابتي وأعجب بردي، وقال هذا هو الرجل المناسب لهذه الوظيفة. وبدأت العمل معه رحمه الله وتعلمت منه الكثير.
المواقف والقصص والحكايات الوطنية والقيادية والإدارية التي عايشتها معه كثيرة جداً، ولا أبالغ بأن الراحل رحمه الله كان أحد أهم الشخصيات التي تأثرت بها وبنيت شخصيتي العلمية والإدارية والقيادية من خلاله، فهو من رشحني لاستكمال دراستي الجامعية، وعندما أخبرته بأنني منقطع عن الدراسة منذ أكثر من ثماني سنوات، وأحتاج إلى دروس خصوصية إضافية، قال لي خذ ما تحتاجه من الدروس وابعث لي شخصياً جميع التكاليف.
كان لهذه الكلمة والتشجيع الأثر الكبير في قلبي، وعندما عدت إلى البحرين وأصبحت مشرفاً على محطات الكهرباء كان يجتمع معنا ويقول أنتم اليوم قادة، والقائد مثل قائد الفرقة الموسيقية يجب أن يعزف على جميع الأوتار ولا يكتفي بوتر واحد، فاللحن سيكون أجمل والقائد في العمل مثل قائد الأوركيسترا مع الفرقة الموسيقية الذي يوزع التوجيه واللحن على الجميع؛ ليخرج عملا جميلاً متناغماً.
ومن حرصه على تطوير قطاع الكهرباء الذي شهد الطفرة النفطية في السبعينات كان يقود فريق عمل الوزارة بمتابعة دقيقة، وفي إحدى المرات اتصل بي أحد المواطنين يشكو من انقطاع الكهرباء عن منزله، فأرشدته إلى قسم الشكاوى بالقسم المعني؛ لحل مشكلته، ثم فوجئت في اليوم التالي باستدعاء الوزير شخصياً لي وهو يقول لماذا أحلت المواطن الذي اتصل بك إلى قسم الشكاوى، فقلت له؛ لأنهم المختصون بمثل حالته، فقال لي رحمه الله إنني أعتبرك المسؤول عن جميع ما يتعلق بالكهرباء وعن كل شيء.
وعلى الرغم من عظم المسؤولية التي ألقاها عليَّ وتحميلي مسؤولية حل مشكلة المواطن التي لم تكن من اختصاصي، إلا أنني كنت سعيداً بحجم الثقة الكبيرة التي أولاني إياها رحمه الله، وعرفت من خلالها مدى ثقته ورؤيته وحبه لي وطبعا باقي زملائي حظوا بنفس التشجيع، فازددت احتراماً وحبا له.
وعندما بدأت مشاكل انقطاع الكهرباء عن المناطق وخصوصاً في فصل الصيف بسبب الضغط الكبير على الكهرباء مع الزيادة الكبيرة وبنسبة ٣٠ في المئة مع التطور العمراني في السبعينات، وجه رحمه الله إلى إنشاء مركز للتحكم في الطاقة الكهربائية بحيث يراقب جميع المحطات ويعرف من خلاله أين ومتى يكون الضغط الزائد على الكهرباء، وأسباب ذلك إن كان ناتجاً عن ارتفاع في الطلب أو خلل فني، فيتم من خلال هذا المركز التحكم في المحطات وشبكات التوزيع دون أن تتأثر المناطق الأخرى، وعينني رئيسا للجنة التي نظمت هذا العمل.
الذكريات والدروس كثيرة ولا يتسع المجال لذكرها وحصرها، ولكنها ذكريات وكلمات جالت في خاطري أردت من خلالها أن أبعث رسالة رثاء وتعزية لشخصية وطنية وقيادية كبيرة خسرناها بفقده، ولا نملك إلا أن نرضى بقضاء الله وقدره، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرحم الفقيد بواسع رحمته، وأن يجزيه على عطائه وعمله خير الجزاء، وأن يلهمنا جميعاً وعائلته الكريمة الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.