سيتطرق حديثنا اليوم إلى اللهجة البحرينية وما بها من جمال وإبداع، إذ جئتكم باستراتيجية “إي.. لا” التي تعني كما نعرف جميعًا تأكيد الشيء في الكلمة الأولى أو صحته كما في معنى “نعم”، والإضافة الجميلة لكلمة “لا” التي تسببت في الكثير من الحيرة والتساؤل لمن يحاول تفسير مدلولات اللهجة البحرينية.
السر هنا في كلمة “لا” بعد “إي” ربما لأنه إثبات وتأكيد آخر للمؤكد عليه، وأعلم أن من يعرفونني الآن يتذكرونني بقواعد الرفع والنصب والجزم، وهي في الحقيقة ليست كذلك، إنها مجرد ثنائية رائعة تستخدم بعفوية وبساطة تدل على قوة اللهجة البحرينية في توظيف فن الصوت لإثبات معناها المقصود دون استنكار، كما في ثنائية “قاعد أمشي” حيث الجميع يعرف المقصد منها هو المشي وكلمة “قاعد” هنا لا تعني الجلوس، بل هي لتأكيد المضي في المشي.
إن التحليل المنطقي هنا لوجود هذه الثنائيات قد يخدم اللحن أكثر من المعنى، لكنه اصطلاحًا يعبر عن تضاد واضح، ومن هنا نجد الباحثين في اللغة العربية يقفون أمام الكثير من الأخطاء اللغوية الشائعة في محاولة لتقليلها أو التغاضي عنها، لذلك، وبسبب الكثير من المواقف، استوقفتني الكثير من المصطلحات التي نستخدمها في لهجتنا الشعبية، ورحت أبحث حولها، وجدت الأمر لا علاقة له بالتاريخ والتراث أو الموقع الجغرافي فحسب، ففي كل حقبة تاريخية مقومات مختلفة تؤثر وتتأثر وتنتج عنها حصيلة من المصطلحات منها ما يبقى ويستمر، ومنها ما يضمحل ويختفي، ومنها ما ترصده إشكاليات الدراسة والبحث عن الأصل والنتيجة، التي تؤكد مستوى الاندماج الثقافي والانفتاح العالمي، وانعكاساته في إحداث التنوع الهائل في اللهجات، لكن عندما نصل إلى أعلى درجات الإبداع في استخدام الثنائيات اللفظية المتضادة وتعبيرها عن المدلول الحقيقي باستخدام اللحن المتوافق، فإن ذلك فعلاً استراتيجية استثنائية وفريدة من نوعها، هذا ناهيك عن روح الطرفة التي تدخلها في نفوس متداوليها عند الفحص والمقارنة والتركيز.
وهذا تميز فريد للهجة البحرينية، ولنا الاستمرار في توظيف هذه الثنائيات اللغوية بشكل أكبر وربطها بعلم الصوتيات لبلورة نمط جديد ربما يكون خطوة نحو الاستعداد لإطلاق ثنائيات جديدة ك “إي.. لا”، وظهور فن صوتي قائم على مستجدات اللهجة الشعبية.