العدد 4527
الأحد 07 مارس 2021
السلام مع إسرائيل ونهاية الصهيونية
الأحد 07 مارس 2021

لا نهدف، كما سيتهمنا البعض، إلى الترويج والتسويق لعملية التطبيع مع إسرائيل إذا قلنا إن تحقيق حالة التطبيع والسلم مع الدولة العبرية ستؤدي إلى اختناق وهلاك النظرية أو الأيديولوجية الصهيونية، التي كانت منظمة الأمم المتحدة في العام 1975 قد اتخذت قرارا بغالبية أصواتها باعتبارها “شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري” وطالبت جميع دول العالم بمقاومتها؛ لأنها “تشكل خطرًا على الأمن والسلم العالميين”، إلا أنه في العام 1991 تراجعت المنظمة ذاتها، وبغالبية أصواتها أيضًا، وألغت ذلك القرار بعد موافقة إسرائيل على المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام.

إن الشعوب والأمم تنخدع عادة وتصبح ضحية وفريسة سهلة للأيديولوجيات والنظريات العنصرية والعرقية عندما يُزرع الخوف والرعب والشك في جوفها وفي وجدانها، وعندما تُستغل معاناتها، وتُقنع بأن وجودها مهدد، وأنها تواجه أخطارا وأهوالا وأطماعا ستؤدي إلى اضمحلالها وفنائها؛ هكذا كان حال النازية والفاشية وغيرها من الأيديلوجيات المشابهة، وهذا هو حال الصهيونية؛ فقد وُلدت وترعرعت في أجواء وأحضان الخوف والرعب والمعاناة التي كان اليهود في أوروبا يكابدونها.

لقد ظل الكثير من اليهود، وليس كلهم، أسرى لغلاة الحركة الصهيونية منذ تأسيسها في العام 1897، كما استسلمت أوروبا والغرب عمومًا لضغوط هذه الحركة بعد أن أصبح الضمير الأوروبي مهمومًا ومسكونًا بعقدة الذنب والتقصير لما قاساه وتعرض له اليهود في أوروبا من اضطهاد وتنكيل وإبادة لقرون طويلة؛ كان أفظعها المجازر والمحارق النازية أو “الهولوكوست” التي راح ضحيتها قرابة 6 ملايين يهودي في الحرب العالمية الثانية.

فالعقيدة الصهيونية كانت كما هو معروف أول وأهم الأدوات والقنوات التي لجأ اليها اليهود المضطهدون في أوروبا لحمايتهم والدفاع عنهم وتوفير الأمان لهم. وكمثيلاتها من الأيديولوجيات فقد انطلقت في بداياتها من أسس فكرية ثم أخذت في التفكير والتواجد والتوسع الجغرافي، فمن رحم الصهيونية، وعلى يد مؤسسها ثيودور هرتزل، ولدت فكرة الدولة اليهودية؛ لكي ينتقل اليهود إليها من الشتات طلبًا للسلامة والأمان، ثم تطورت الفكرة سريعًا إلى المطالبة بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين على أساس معتقدات توراتية، وقناعة عند بعض اليهود بأن الله قد وعدهم قبل آلاف السنين وخصص لهم وطنًا على أرض فلسطين.

والصهيونية ايديولوجية علمانية وليست دينية، لكنها كمثيلاتها من الحركات السياسية القومية أو العرقية استخدمت الدين كعامل جذب واستقطاب واستنفار، وفي الحقيقة فإن هدف تأسيس دولة إسرائيل في هذا العصر لم يكن هدف اليهود المتدينين، بل كان هدف اليهود المتصهينين، إذ إن أكثرية اليهود المتدينين يؤمنون بأن أرض إسرائيل لن تكون لهم إلا بعد عودة المسيح، وأنه لا يجب أن تقوم “دولة” أو “مملكة” إسرائيل في أي مرحلة زمنية تسبق عودته، لذلك فقد قاطع وعارض الكثير من اليهود الفكر الصهيوني، فأصبحت الغالبية العظمى من رواد الحركة الصهيونية ومؤسسي دولة إسرائيل والجيل الأول من الإسرائيليين ينتمون إلى اليهود العلمانيين واليسار اللاديني بما في ذلك قادتهم من أمثال حابيم وايزمان وبن غوريون وغولدا مائير وغيرهم.

وفي الواقع، وكحال أيديولوجية “القومية العربية”، ولأسباب مختلفة ومتضاربة، فإن “الأيديولوجية الصهيونية” كانت قد فقدت بالفعل بريقها وزخمها كحركة بعد انتصار إسرائيل الساحق في حرب 1967، وانطفأ لمعانها بالنسبة لليهود والإسرائيليين منذ ذلك الوقت، واقتنعوا بأن إسرائيل لم تعد في خطر، وأنهم قد تخطوا الحاجة للصهيونية بعد أن حققت أهدافها واستنفذت أغراضها، فبقيت مجرد فكرة رمزية يلجأ إليها فقط المتشددون الصهاينة وليس كل الإسرائيليين واليهود الذين صاروا يتطلعون إلى عصر “ما بعد الصهيونية Post-Zionism”، فأصبحت الصهيونية نتيجة لذلك مرشحة لأن تلفظ أنفاسها الأخيرة، ومحكوم على مصيرها بالهلاك؛ شأنها في ذلك شأن كل الحركات والايديولوجيات التي ترتكز على العنصرية والتفوق العرقي مثل النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والأبارتهايد في جنوب إفريقيا وغيرها، هذه النظرية صارت أيضًا بالنسبة لكثيرين من اليهود والإسرائيليين تشكل عبئا نفسيًا وشبحا يذكرهم بالظلم الذي حاق بالفلسطينيين بسببها.

إن الأيديولوجية الصهيونية مرتكزة في الأساس على قاعدة بؤس وشقاء ومعاناة اليهود، وقد تصدعت وانهارت هذه القاعدة بعد أن انقلبت أحوال اليهود رأسًا على عقب، وصاروا ينتمون إلى دوائر صفوة المجتمعات الغربية، ويتربعون على قمم الثراء والجاه والنفوذ، ويسيطرون على عدد كبير من كبريات المؤسسات الإعلامية والاقتصادية والمالية العالمية، إضافة إلى أن الجيل الثاني والثالث من الإسرائيليين وشباب اليهود عموما فقدوا تمامًا الاهتمام والصلة بها، ولذلك أيضًا فإن الصهيونية ستستقر قريبًا في مقبرة التاريخ، وستخنقها لا محالة أجواء الأمن والتعاون والسلام بين العرب والإسرائيليين.

وبعد أن زال الخطر المزعوم عن إسرائيل على أثر تخلي العرب عن خيار الحرب، وتتابَع ضمنيًا وفعليًا اعتراف الدول العربية والفلسطينيين بها، وبادرت في الأشهر القليلة الماضية الإمارات والبحرين والسودان بتوقيع اتفاقات سلام معها والاتفاق على التبادل الدبلوماسي؛ رأى كثير من المراقبين أن القناعة أخذت تدب وتتسع بين صفوف الإسرائيليين بأن الخيار الأفضل لهم هو التخلي عن الفكر الصهيوني، كما تخلى الألمان عن الفكر النازي، والعيش بسلام بين جيرانهم العرب، وأن الحاجة إلى الاستمرار في الصراع والمواجهة معهم قد انتفت، كما لاحظ المراقبون أن ثمة إرهاصات واضحة أخذت تشير إلى حدوث تحول متسارع في الذهنية الإسرائيلية وفي الرأي العام الإسرائيلي لصالح تأكيد أن جيرانهم العرب لا يكنون الكراهية والبغضاء لهم، ولا ينوون تهديدهم أو قتالهم أو إلقائهم في البحر كما كان يقال لهم، وان العرب مستعدون للتعاون معهم لتحقيق التقدم والاستقرار والعدالة لجميع شعوب المنطقة، وقد رأى الإسرائيليون أن العرب الخليجيين خصوصا، يرحبون بالتعايش معهم واستقبالهم كزوار وسياح في بلدانهم، واستضافتهم في بيوتهم، وتوفير أماكن العبادة لهم، وتجهيز المرافق والمطاعم التي توفر الأطعمة “الكوشر” أو الحلال بالنسبة لهم، وقد انتشر قبل فترة بشكل واسع في إسرائيل، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقوبل بالتقدير والإعجاب في المجتمع الإسرائيلي، مقطع لسيدة خليجية مسنة كانت ترتدي الزي الخليجي، وتغطي جزء من وجهها بالقناع التقليدي القديم (البرقع أو البطولة)، وتتحدث بأريحية وعفوية تامة، مرحبة بالإسرائيليين باللهجة البحرينية المميزة، وهي تعد طبق “الشكشوكة على الطريقة الإسرائيلية” كما سمتها، كل تلك التحولات والمؤشرات يجب استخدامها واستثمارها لمساندة أشقائنا الفلسطينيين في جهودهم وجهادهم للحصول على حقوقهم العادلة بالوسائل السلمية.

لقد سمحنا لأنفسنا، نحن العرب، بالبقاء لعقود طويلة أسرى لقناعة زائفة بأن الصهيونية كعقيدة وكحركة تتمتع بتفوق ونفوذ وسطوة عالمية واسعة وتتحكم في مراكز اتخاذ القرار في العالم، وهي من الصلابة والمناعة بمكان بحيث جعلت من صنيعتها إسرائيل تصبح القوة التي لا تقهر، والتي تستطيع أن تهزمنا بسهولة، ولا يمكننا مواجهتها والتغلب عليها، ولذا أصبح سهلًا وهينًا هزيمتنا بالفعل في ميادين الحرب العسكرية؛ فكانت الطامة الكبرى هزيمة العام 1967 بعد أن وصلت الهزيمة النفسية إلى جوف إرادتنا، لقد حان الوقت لأن نتحرر ونتخلص من عقدة الخوف من شيء متهالك اسمه الصهيونية، وأن نتوقف عن استعمالها شماعة نعلق عليها أخطاءنا وإخفاقاتنا.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .