العدد 4489
الخميس 28 يناير 2021
عمود أكاديمي د. باقر النجار
جوزيف بايدن والخليج
الخميس 28 يناير 2021

مثل تتويج جوزف بايدن الرئيس السادس والأربعين مجالا للتخمينات بشأن السياسات التي ستتبناها الإدارة الأميركية الجديدة نحو عدد من الملفات التي عقّد فيها العلاقة الرئيس السابق ترامب.

فالذين ساءت علاقتهم بترامب يتطلعون لعلاقة أفضل، وتحديدا دولا مثل الصين وألمانيا وفرنسا وغيرها، أما الدول التي اتسمت علاقتها به بقدر من القرب فإنهم يتخوفون من أنهم قد لا يحظون بالأفضلية التي تمتعوا بها في ظل القادم الجديد للبيت الأبيض مثل البرازيل وبريطانيا وغيرها..

وقد لا يعنينا هذا كثيرا أو تلك الملفات المُعلقة أو المطروحة بقدر ما يعنينا نمط العلاقة التي يمكن أن تتشكل مع دول الخليج العربي.

وفي هذا الإطار فإن هناك شقين لهذه العلاقة، يتمثل شقها الأول في نمط العلاقة المستقبلية التي يمكن أن تتأسس مع إيران. ولربما التساؤلات الأكثر تداولا هو إذا ما كان بايدن سيعود إلى الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب قبل 3 سنوات. أو إذا ما كان سيوسع هذا الاتفاق ليشمل الأسلحة البالستية الإيرانية. أو بالأحرى إذا ما كان قادرا على أن يحدث ذلك، أم إنه سيتم الاتفاق على آلية جديدة تتضمن بعض المتطلبات الجديدة أو لنقل تضمين بعض الترتيبات الجديدة، والتي قد ترقى إلى إتفاق جديد مع إيران حول أسلحتها البالستية.

أما الشق الثاني، المعنيين به في هذا المقال، هو كيف ستكون علاقة إدارته الجديدة مع دول مجلس التعاون الخليجي. هل من الممكن أن يحدث تغيرات، كما يتخوف البعض، عن سلفه، أم إن عمق المصالح الاستراتيجية التي تربط هذه المنطقة بالولايات المتحدة الأميركية قد لا تدفع نحو إحداث تغيرات أساسية من حيث كونها سياسات قد أرسلت قواعدها الدولة العميقة. أي أنها في مضمونها العام ستستمر تمثل عمق هذه العلاقة وتداخل مصالحها.

وأعتقد أن المصالح الاستراتيجية للدولة العميقة تضمن استمرار هذه العلاقة دون “منغصات” كبيرة، وإن نزع عنها تلك الحميمية التي ميزت العلاقة أثناء حكم ترامب. وهي في هذا ستبقى في خطوطها العامة قائمة ومستمرة وإن اختلفوا في بعض الموضوعات والأمور التي في بعضها هامشية. فأهمية النفط والغاز ستبقى تمثل لب هذه العلاقة، وهي مصالح لن تنتهي اليوم أو غدا أو بعد غد، وإنما هي مستمرة باستمرار أهمية عنصري الطاقة للاقتصاد الأميركي كما هو بالنسبة للاقتصاد العالمي كما هي أهمية الأمن بالنسبة لدول المنطقة.

وأعتقد أن ما يتداوله البعض عن ضغوط محتملة قد أطلقها بايدن في حملته الانتخابية قد لا تستمر بعدها. فجزء مما يطرح في الحملات الانتخابية بطبيعتها هي موضوعات أعلامية - سياسية أكثر منها موضوعات لسياسة عمل قد يشرع بايدن في تبنيها. فالمصالح الأميركية في المنطقة، إن هي إلا مصالح تصيغها الدولة العميقة، لا تتبدل بتبدل الأفراد. ودعونا نبدأ بمسألة طالما طرحها الأعلام الأميركي بشكل عام، وهي الموقف من حقوق الإنسان في منطقة الخليج، وهي أطروحة قد تكون ضمن أطروحات الحزب الديمقراطي أكثر منها الجمهوري. إلا أن طرحها أو ممارسة بعض الضغوط حولها قد لا يتجاوز في بعض، إن لم يكن جل حالاتها، ذلك الطرح الإعلامي، كما أنه قد لا يصل إلى ذلك المدى الذي قد يصل في الحالة الروسية والصينية والإيرانية. وهي موضوعة متحورة وفق الأولويات التي تطرحها الدولة العميقة. وهي قد توظف في بعض أحيانها من أجل الحصول على تنازلات لحالتها القصوى أو أن تتجاوز أطروحتها الإعلامية - سياسية، إلا أنها، ونكرر هنا، قد لا تذهب في ذلك بعيدا للمستوى الذي يضع دول المنطقة في موقف تفاوضي أضعف في مقابل قوى المعارضة أو المنظمات الدولية.

وهي تعرف في ذلك أنها في ذلك وفي معظم حالاتها لن تصل لمستوى بعض الدول العربية الأخرى، وهي في هذا قد تطالب ببعض التحسينات إلا أنها لا تصل للمستوى الذي يضر بأمن الدولة وهيبتها.

أما الموضوع الداخلي الآخر هو موضوع الحريات السياسية والمدنية، وكما أعتقد فإن هذا الموضوع ليس في وارد أن يكون ضمن موضوعات الإدارة الجديدة الضغطية على الأقل في دورتها الأولى. وهي موضوعات لن تذهب الإدارة في طرحها أو بالدفع بها بالصورة التي قد تربك النظام العام أو أن تنال من قوته وقدرته على ضبط المجتمع... ولن تكون تجربة العقد الماضي قابلة للتكرار أو أن يسمح لها بالتكرار في المنطقة.

كما أنه كموضوع لا يمثل أولوية سياسية ملحة للإدارة الجديدة التي ستكون فيها مشغولة بأولوياتها الداخلية، التي يأتي على رأسها رأب الانقسام الداخلى وإدارة أفضل لأزمة كورونا التي حصدت أكثر من 400 ألف من الأرواح وأصابت أكثر من 25 مليون، والذي سيستهلك جزءا مهما من وقت وجهد الإدارة الجديدة. بل إن أولوية رأب الصدع الذي أحدثه ترامب في علاقة أميركا بأوروبا الغربية ولربما ترتيب علاقتها بالصين وروسيا والمنظمات الدولية تسبق في ذلك أي موضوعات أخرى.

ويبقى الموضوع الآخر الذي نال جزءا من أجندة بايدن الانتخابية هي حرب اليمن، والتي باتت من التعقيد الداخلي والخارجي تُفقد بها الإدارة الجديدة أي قدرة سريعة على حلها. وهي قد تدفع ومن جديد نحو تفاهمات جديدة قد يكون أطرافها بعض دول مجلس التعاون وإيران، استباقا لأي حل، وهي ترتيبات قد تستغرق بعض الوقت.

فمخاوف دول المنطقة من تمدد الوجود الإيراني لأطرافها الجنوبية وما يمثله من تهديد لأمنها ولربما للمصالح الأميركية لا يبدو أنه سيسوى منفردا بعيدا عن ملفات أكبر قد تكون إيران طرفا فيها.

وأخيرا فإن الكثير من السياسات التي بدأت الإدارة السابقة في تبنيها لم تكن إلا جزءا من سياسة الديمقراطيين في عهد إدارة أوباما، فيما يتعلق بإيران واليمن وسوريا والعراق، وهي مواقف لن يحصل فيها تغيير جوهري بالكامل إن لم يكن موقفا “تبريديا” لملفات ساخنة لبعض الوقت.

كما أن ذلك لا يعني أن لا يكون للديمقراطيين رؤيتهم وسياساتهم الخاصة التي في بعضها تقف على النقيض من سياسات ترامب. وهي تبدو كذلك على صعيد الداخل أكثر منه في الخارج. فقد ورث بايدن مجتمعا منقسما على نفسه وإدارة قد أصابها قدرا كبيرا من الارتباك والخلل والفردانية.

أو كما يقول المفكر الأميركي فوكوياما في مقاله الأخير في مجلة الفورين افيرز “إن قدرا من التداعي قد أصاب الدولة خلال المرحلة السابقة”، بل إنه يذهب للقول “إن النظام السياسي بدا منغمسا في الفساد. وإن الحكومة الأميركية تسيطر عليها نخب سياسية وظفت سياسات الدولة لمصالحها الخاصة وهي في ذلك قد أضرت كثيرا بمسألة شرعيتها بشكل عام”.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية