العدد 4400
السبت 31 أكتوبر 2020
انتخابات الرئاسة الأميركية واحتمالات البداية لفوضى عالمية
السبت 31 أكتوبر 2020

ليس جديدًا في مثل هذا التوقيت قبيل كل انتخابات للرئاسة الأميركية أن نشهد حالة من الجدل العربي والانقسام في الرأي والتباين في الرؤى والاختلاف في التحليل حول الأحق بالدعم والأولى بالتأييد من بين المرشحين لهذه الانتخابات، حتى ليبدو للمتابع العربي أن هناك اختلافًا جوهريًّا بينهما أو أن أحدهما ينتمي لعالمنا ويتبنى قضايانا ويدافع عن مصالحنا.

ففي كل انتخابات الرئاسة الأميركية السابقة، يضع العالم العربي بشكل خاص آماله على أحد المرشحين ويعتقد في مخيلته أنه في حال فوزه سيكون مدافعًا عن القضايا العربية، ومحاربًا ضد عدو يهدد المنطقة رغم أنهم في قرارة أنفسهم يعلمون تمامًا أن هذه الأمنيات بعيدة كل البعد عن التطبيق على أرض الواقع، ولكن لا مانع بأن يحلم المواطن العربي بفارس يأتي على صهوة جواده ليكون المنقذ من حالة التفكك العربي.

إلا أن هناك قسمًا آخر لا يحب تصدير الآمال الواهية أو التعلق بالأحلام غير القابلة للتحقق، فيعلنها جهرًا بأنه لا خلافات هيكيلية بين المرشحين ولا فائدة عملية أو مصلحة عربية يمكن توقعها أو انتظارها بفوز أحد على الآخر، لأن السياسة الأميركية دائمًا وأبدًا تصب في مصلحة أميركا وليس لغيرها وأنها ستظل هكذا ولن تتغير.

ويبدو لي أن المزاج الخليجي مرتاح أو متعاطف ومؤيد للرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب ويتمنى استمراره ليزيد من عقوباته على إيران ويواصل نهجه الذي يوصف بالحاسم في كبح لجام الشر الإيراني النووي والتوسعي، والذي يمثل الهاجس الأكبر والخطر الأعظم على دول المنطقة وشعوبها واستقرارها.

إلا أن ترامب الذي نجح بالفعل خلال فترة رئاسته للولايات المتحدة في تحقيق رصيد اقتصادي معتبر داخليًّا، إلا أن هذا الرصيد ذهب أدراج الرياح بسبب الجائحة، إضافة إلى أن الميزة الاستراتيجية لحكمه خارجيًا والمتمثلة في سياسته غير المهادنة على الأقل تجاه إيران، باتت هي الأخرى محل شك في ظل العديد من المؤشرات التي تعكس عزم ترامب عقد صفقة واتفاق مع إيران، وهو نفسه خاطب الشعب الإيراني ونظامه مؤخرًا بأنه يريد أن يصل لاتفاق يفك الكرب عنهم.

أما الشعور الخليجي نحو المرشح الآخر للرئاسة الأميركية جو بايدن، فيتسم بالقلق والتوجس، لاسيما في ظل ما ترسخ في الأذهان من مسؤولية الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه بايدن وما وصف بالربيع العربي الذي ضرب العديد من الدول العربية في عام 2011 م خلال فترة رئاسة الديمقراطي باراك أوباما للبيت الأبيض، وما أحدثه هذا الربيع من تداعيات كارثية متعدد الأبعاد والمستويات، وما خلفه من جحيم وتدمير لدول كبيرة مثل العراق وليبيا ولا تزال آثارها ماثلة أمامنا وقد تحتاج لعقود لمعالجتها.

ورغم ذلك، فعلينا ألا ننسى أن الحديث عن الفوضى الخلاقة بدا من الجمهوريين (الذين ينتمي إليهم الرئيس ترامب) على لسان كونداليزا رايس وليس من الديمقراطيين، لذا فالخلاصة الأساسية في هذا السياق والنتيجة الواقعية والمنطقية هي أنه لا خلاف عميق بين المرشحين ولا يجب أن نبني آمالنا على هذه الانتخابات الرئاسية الأميركية ونظن أن هناك من سيعمل على تحقيق مصالحنا.

إلا أن الأمر الأخطر وغير المسبوق في هذه الانتخابات الأميركية، فهو تلك الحالة “المقلقة” من الانقسام والصراع الداخلي الذي تواجهه الولايات المتحدة والذي وصل إلى حد ظهور ميلشيات محلية مسلحة أميركية صغيرة تجوب بعض الولايات الأميركية، وحديث البعض من الأميركيين أنفسهم عن مخاطر اندلاع حرب أهلية مع هذه الانتخابات الرئاسية أيا كانت نتائجها، وتأكيدهم أنها لن تمر بشكل سلس وقد يصاحبها الفوضى والاشتباك بين المواطنين، فلأول مرة في هذه الانتخابات نرى صوت العنصرية اليمينية المتطرفة في أوجِّها، وهو ما سيلقي بتأثيراته السلبية على أمن المجتمع الأميركي واستقراره.

ونختم بالمقولة المعروفة للكل بأنه”إذا مرضت أميركا، فالعالم كله سيمرض”، ولذلك، ورغم أننا قد نختلف حول السياسات الأميركية، إلا أننا نتمنى أن تعبر أميركا هذا المأزق الخطير بسلام حتى لا تبدأ الفوضى الخلاقة من هناك فيحل الشر في بقية العالم.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .