العدد 4394
الأحد 25 أكتوبر 2020
الخليجيون والنتائج المتوقعة للانتخابات الأميركية
الأحد 25 أكتوبر 2020

عندما قررت دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين تطبيع علاقاتهما بدولة إسرائيل وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها، اجتهد الكثيرون وأفاضوا بأن هذه الخطوة كانت تهدف في الأساس إلى دعم الموقف الانتخابي للرئيس ترامب في مواجهة منافسه الديمقراطي جو بايدن؛ الذي في حالة فوزه، حسب رأيهم، قد تنهار المنجزات التي حققها الخليجون على صعيد تطوير علاقاتهم بالولايات المتحدة، بحيث عادت لها الحيوية، ووصفت بأنها أصبحت تعيش عصرها الذهبي في عهد ترمب، بعد أن كانت قد تدنت وأصابها الفتور في عهد الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما، إلا أن الحقيقة تختلف عن ذلك تمامًا.

فالواقع يؤكد أن قرار الإمارات والبحرين جاء ضمن توافقات خليجية، وكان بمثابة خطوة استباقية محكمة التوقيت اتخذت تحسبًا لاحتمالات فوز بايدن.

وللتوضيح فإن التزام الولايات المتحدة بأمن وسلامة إسرائيل تحت أي ظرف من الظروف، هو من الثوابت الراسخة في السياسة الأميركية التي لا يجرؤ أو يستطيع  أي رئيس أو أي حزب أن يحيد عنها أو يتخطاها، وهذه السياسة لا تتغير أو تتزحزح رغم تعاقب الحزبين على إدارة البلاد، بل انهما يتسابقان دائمًا على التأكيد على التزامهما بها إلى حد المزايدات، وهي سياسة محفوفة بسياج من اللوبيات وأروقة المصالح وجماعات الضغط وسواعد الدولة العميقة، وإن ربط أمن وحماية دول الخليج العربية بأمن إسرائيل عن طريق اتفاقيات أمنية ودفاعية بين الطرفين سيمد مظلة الحماية الأميركية لهذه الدول وسيحميها من أي مبادرة قد يفكر بايدن في اتخاذها، في حالة فوزه، لتقليص التزامات أميركا الدفاعية تجاه دول الخليج.

من ناحية أخرى، فإن الدول العربية الخليجية تدرك أيضًا  وجود تشابه كبير  بين سياسات دونالد ترامب ومنافسه جو بايدن فيما يتعلق باستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الهادفة إلى تخفيض الارتباط الأميركي بهذه المنطقة وتقليص الدور القيادي فيها، هذه مسألة أصبحت محسومة وتوجه استراتيجي لم يعد يخضع لاجتهادات أي رئيس بعينه، وهو أمر راجع بشكل أساسي إلى انخفاض الأهمية الإستراتيجية للمنطقة في منظومة المصالح الإستراتيجية الأميركية، وعلى ضوء ذلك فإن بقاء ترامب أو فوز بايدن لا يغير في الأمر شيئًا، وهو ما يبرر قلق الدول الخليجية من إمكانية انكشافها الأمني قبالة تنامي وتطور القوة العسكرية الإيرانية والتواجد العسكري التركي في المنطقة والتعاون والتنسيق المتزايد بين الدولتين الطامعتين والمتربصتين بهذه الدول.

ولا شك في أن قادة وحكومات الدول العربية الخليجية قد اكتسبوا خبرة واسعة في تعاملهم مع الولايات المتحدة وسياساتها، وفي تفاعلهم مع تقلبات المناخ الانتخابي وما تسفر عنه من استحقاقات ومفاجآت، كما انهم يدركون، كباقي دول العالم، أن الانتخابات القادمة تعتبر الأهم في التاريخ الحديث للولايات  المتحدة، ويولون نتائجها المرتقبة أهمية خاصة تفوق سابقاتها، وكما هو معروف فإن دول مجلس التعاون أو خمسًا منها، تتمنى أن يبقى ترامب في سدة السلطة للدورة القادمة، لكن هذه الدول ليست متخوفة أو متوترة من احتمال خسارته للانتخابات وفوز منافسه.

ففيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ليس ثمة أي اختلاف أو تضارب بين مواقف وسياسات دول المجلس وخطط واطروحات الحزب الديمقراطي؛ فالحزب الديمقراطي أكد في برنامجه الانتخابي بأنه سيعمل على إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدعم حل الدولتين، وبدعم حق الفلسطينيين في العيش في حرية وأمن في دولة قابلة للحياة خاصة بهم، كما أن الديمقراطيين يعارضون أي خطوات أحادية الجانب من قبل أي من الطرفين؛ بما في ذلك ضم الأراضي والتوسع الاستيطاني. وفيما يتعلق بالقدس فإن الديمقراطيين يرون أن وضعها خاضع لمفاوضات الوضع النهائي، إلا أنهم يؤكدون على بقائها عاصمة لإسرائيل غير مقسمة، ومفتوحة لجميع الأديان. ومن المؤكد أن بايدن لن يستطيع إلغاء قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

وبمقارنة المتنافسَين على كرسي الرئاسة فإن بايدن سينفذ، في حالة انتخابه، تعهده بمواجهة أردوغان، الخصم اللدود للثلاثي الخليجي السعودية والبحرين والإمارات، وأنه سيدعم قراراً يعترف بالإبادة الجماعية للأرمن على يد الأتراك، وسيعارض التوغل العسكري التركي في سوريا.

إلا أن ما يقلق الدول العربية الخليجية، خصوصًا ثلاثي السعودية والبحرين والإمارات والحليف الجديد إسرائيل هو موقف بايدن من ملف الاتفاق النووي مع إيران الذي ألغاه ترامب وضاعف من العقوبات على إيران، والذي أصبح ملفًا شائكًا ومعقدًا وأكثر خطورة من ذي قبل، وبهذا الصدد فإن بايدن في حالة فوزه سيتجه إلى تخفيض حالة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتخفيف حدة العقوبات المفروضة عليها، لكنه لن يستطيع إعادة تفعيل الاتفاق كما كان في الأصل، وقد يشرع فور دخوله البيت الأبيض إلى إجراء مفاوضات بشأن إحياء الاتفاق بضوابط وقواعد مختلفة، وسيمارس الضغوط اللازمة للحصول على المزيد من التنازلات من الجانب الإيراني تأخذ في الاعتبار مخاوف الدول الخليجية والمجتمع الدولي من دور إيران في المنطقة وتنامي قوتها الصاروخية البالستية، وبرامج تطوير طاقتها النووية.

وفي حالة فوز بايدن سيجد أمامه ملفات وقضايا داخلية أكثر أهمية وسخونة وإلحاحًا بالنسبة للناخب الأميركي الذي أعطاه صوته، وعلى رأسها تنظيف البلاد من جائحة كورونا وتضميد الجراح التي سببتها هذه الجائحة،

وإصلاح الوضع الاقتصادي، وإعادة توظيف الملايين من العاطلين الذين فقدوا وظائفهم بسبب الإغلاق الناتج عن الجائحة، وخلق المزيد من فرص العمل للأيدي العاملة الجديدة التي ستتدفق إلى سوق العمل، وتحقيق وتدعيم قيم وممارسات التعايش الاجتماعي بين مختلف مكونات المجتمع الأميركي.

وعلى بايدن، في حالة فوزه، ترتيب جدول أولوياته على صعيد السياسة الخارجية للولايات المتحدة وفي إطار خارطة جديدة لشبكة العلاقات الدولية، فأين ستقع قضايا الخليج والشرق الأوسط الأمنية في سلم هذه الأولويات؟ هذه القضايا أصبحت معقدة وشائكة كما ذكرنا، مثل القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي وجملة من الملفات الثقيلة من بينها مستقبل الوجود الأميركي في العراق وسوريا، وحرب اليمن، والأزمة الخليجية، والتوتر مع إيران.

ويرى المراقبون أن بايدن وحزبه الديمقراطي سيعطون الأولوية القصوى في سياستهم الخارجية إلى ترميم  العلاقات وبناء جسور الثقة مع الحلفاء والشركاء الأوروبيين التي تصدعت في عهد ترامب، بحيث تحولت أميركا من حليف للأوروبيين إلى خصم لهم، إلى جانب وضع حد لتفاقم الحرب التجارية مع الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة.

وسيعمل بايدن في حالة فوزه على استعادة الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم ضمن توافقات جديدة وواقع غير مسبوق ومعطيات جديدة ترسخت خلال أربع السنوات الماضية والتي ستعيقه عن الدوران بالعربة إلى الوراء، وهو ما أكده البرنامج الانتخابي للديمقراطيين من أنه “يجب أن نواجه العالم كما هو اليوم، وليس كما كان قبل أن يدمره ترامب... ولا يمكننا ببساطة أن نطمح إلى استعادة القيادة الأمريكية، بل يجب علينا إعادة اكتشافها لتصبح مناسبة للعصر الجديد”.

وضمن هذا الإطار تأتي مهمة العودة أو الانضمام إلى المؤسسات الدولية التي خرجت أميركا منها خلال ولاية الرئيس ترامب مثل منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان وغيرها.

كل ذلك يؤكد أن الخليجيين ليسو متخوفين من احتمال هزيمة ترامب وفوز بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستجرى بعد أيام قليلة.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .