العدد 4388
الإثنين 19 أكتوبر 2020
جيرانٌ... خصومٌ في المحاكم!
الإثنين 19 أكتوبر 2020

أشار المؤرخ العربي المولد الأندلسي الأصل عبدالرحمن الحضرمي المعروف بـ “ابن خلدون” في مقدمته الشهيرة، إلى أنّ الإنسان اجتماعي بطبعه بما يستصعب عليه الانعزال عن محيطه الجماعي الذي يميل إليه فطريًا منذ اللحظة التي خرج فيها إلى الدنيا تحت مظلة حماية هذا المحيط وكنف بحبوحته، وحتى مشاركته في أفراحهم وتفاعله بأتراحهم في أجواء بالاحترام مفعمة وبالتقدير ممتلئة، التي يأتي فيها الجار الملاصق واحدا من أهم أركانها المتشابكة بذاك المحيط المجتمعي، الذي يتصدّر عبقه شذا المحبة وروح التسامح وديمومة العون، الحافظ للخصوصية الملتزمة والصائن للحقوق المتعارفة فيما بينهم، بعيداً عن الأذى أو الضرر أو التشويه، الذي يستوطنه التواصل الاجتماعي المحض وتكوين العلاقات الإنسانية الخالصة.

غير أنّ “معضلة القنفذ” التي تحدّث عنها الفيلسوف الألماني “شوبنهار”؛ تؤكد ما أشار إليه الكاتب المصري مصطفى محمود في مسألة حفظ المسافة بين العربات في الطرقات، بعدما أوضح ضرورة إبقاء القنافذ متباعدة المسافات كي تتجنب وخز بعضها البعض من أجل الدفء أثناء تجمّعها في فصل الشتاء من جانب. ومن جانب آخر، وقاية العربات من التصادم المُهلك الذي أدى - بدون ترك تلك المسافة الآمنة - بالعلاقات الإنسانية التي كانت تربط الجار بجاره، إلى التزاحم على أبواب المحاكم لحسم خلافاتهم بعد استعراض مسلسل أسرارهم وإفشاء تبعات فضائحهم - على حدّ قول أحد القرّاء الذي أكد وجود عشرات الدعاوى المنظورة - أمام القضاء عن نزاعاتهم في أفنية تلك القاعات وما يصاحبها من مشاهد البؤس التي وصلت إليها في أروقتها عن علائق الجار بجاره أمام مرأى القضاة التي تعددت أسبابها (التافهة!) ما بين السباب والشتائم أو بين التهديد والمشادات الكلامية أو بين رمي النفايات ومواقف السيارات وصولاً إلى حالات السرقة وسدّ الطرقات والتّعدي بالضرب.

نافلة:

فيما مضى، كان الجار يترك مفتاح بيته لدى جاره عند غيابه رُغم التزامهم بمسافات الأمان المفترضة! إلا أنّ تغيّر المرجعية الثقافية التي صاحبها التغير في منسوب الوفرة الاجتماعية قبَالَ العلاقات الإنسانية والقيمية المقدسة؛ صيّرت السّواد الأعظم من الناس، ولاسيما الجيران Neighborhood فيما بينهم، أبطالاً لا يتورعون عن إفشاء أسرارهم في أروقة المحاكم التي تصدّرت نشر تفاصيلها صفحات الجرائد بعد أنْ حلّت (مع بالغ الأسف) قَبْلَهَا ساحات السّجال وتبادل التهم وتفريغ المشاكل وسيادة النزاعات عند واجهات البيوت أو في ممرات البنايات أو خلف أبواب المصاعد أو على عتبات السلالم أو حول مواقف السيارات.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية