العدد 4159
الأربعاء 04 مارس 2020
وَخْـزَةُ حُب د. زهرة حرم
لا تستخفّ بالنُكَت!
الأربعاء 04 مارس 2020

هل لاحظتم كيف أن النكتة تنتعش بشكل عجيب فترة الأزمات، وكأنها تجد ضالتها في كل مصيبة! تعتاش عليها، وترتوي من معينها! فالمصائب والحوادث مادتها التي تقوم عليها، وترتكز على أساسها، لذلك لا تستغربوا أبدا أن تنتشر النكات كلما رأيتم العالم يعيش في محنة؛ أيًا كان نوعها؛ اجتماعية، أو اقصادية، أو سياسية، وأيًا كان تفسير هذه الظاهرة اللافتة؛ فإن الحقيقة التي لا مراء فيها أو تغييب، أن هذه النكتة تصدر من رحم مجموع؛ أي أنها حصيلة مجتمع، أو شعوب هي من صنعتها وأخرجتها إلى النور؛ لتشيع في جميع الأوساط، وتغادر محيطها الضيق إلى كل مكان، في طرفة عين صاروخية.

يعيش العالم اليوم أزمة الكورونا؛ يرتعش حينًا، ويضحك حينًا آخر! يتباكى ساعة، ويتندر أخرى! يعبر عن خوفه والهلع الذي أقعده في مكانه، ويرسل النكات بعد أن يغرق في قهقهاته في الوقت نفسه! فما القصة؟ هل يعد ذلك استخفافًا بهذه الأزمة القاتلة، أو تسخيفًا وتسطيحًا لها؟! أم سذاجة في المرء، وقلة نظر، أو غياب وازع أخلاقي؟ أم أن لهذا السلوك المتناقض أسبابًا وجيهة تبرره، ولاسيما أن الأمر ليس بدعة، أو شيئًا جديدا، فكما أشرت؛ إن النكتة مُلازمة للمصيبة، تسير معها على الخط نفسه، ولا تكاد تفارقها، إنني أذهب مع القائلين، خصوصا مَنْ يتدارسون النفسية الإنسانية، إلى أن النكتة مضاد حيوي طبيعي، يلجأ إليه الواحد منا؛ للتخفيف، أو التنفيس، والتهوين؛ لكيلا يغرق في موجة أحزانه، أو ينغمس في أزماته؛ فيُقضى عليه.

يمر الإنسان بمواقف حياتية متلونة، ويحتاج – بطبيعة الحال – إلى إظهار ردود أفعال، تعبر عن تفاعله معها، وكثيرٌ من هذه المواقف، يصعب التعبير عنها مباشرة؛ فقد تكون إحدى المحظورات، أو التابوهات الممنوع الخوض فيها؛ في الدين، أو السياسة، أو الجنس... إلخ. أو قد تكون مواقف لا طاقة له على حلها؛ كالكورونا هنا؛ فتأتي النكتة؛ الباكية الساخرة – في آن واحد – لتبعث رسائل كثيرة، تعبر عن فكر هذه الشعوب، وردود أفعالها، ووجهات نظرها.

ليست النكتة ظاهرة إضحاك وإيناس فقط، كما قد يظن البعض؛ إنها خطاب نقدي، أو انتقادي، تترتب عليه آثار مجتمعية كثيرة، توجِّه الرأي العام، وتغيّر السلوك، والقناعات، وتبدل كثيرًا من المسارات... النكتة رقيب اجتماعي، لا قدرة للرقيب الرسمي على ملاحقتها أو مطاردة صانعيها، فغالبًا لا تحمل أسماء أصحابها، التي تتخفى وسط الجموع، وهذا مصدر قوتها، وسر ذيوعها! كما أن صناعتها – في حد ذاتها – ليست بالمسألة الهيِّنة؛ فهي تحتاج إلى ذهنية متقدة، العقلاء وحدهم من يدركون أبعادها؛ سلبًا، وإيجابًا.

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية