+A
A-
الأحد 08 مارس 2015
عبدالله السعودي يفجر أخطر القضايا المصرفية مع “البلاد”: لم أغسل أموالاً... ولم أركع للغرب
البلاد - خاص
لم يحتل مصرفي عربي تلك المكانة التي بلغها عبدالله بن عمار السعودي، لم يحدث ذلك؛ لأنه مهني من طراز رفيع وحسب، ولم يصل إلى هذه القمة لكونه عفيف اليد- نظيف القلب متعدد المهارات فقط، إنما تحقق له ذلك – لأنه كان ومازال وسيظل سفيرا للكبرياء العربي بعد ترجله، ومندوبا دائما لكرامتنا في أي مكان.
عبدالله السعودي الذي ترأس مجلس إدارة المصرف العربي الليبي الخارجي في سبعينات القرن الماضي كان يرى أن تأسيس ذراع مصرف دولي للوفورات العربية يمكن أن يحقق للمنطقة بأسرها وجودا فاعلا على الساحة الدولية وشراكة مطلوبة مع المجتمع الحقيقي للمال والأعمال في العالم.
بعد رحلة كفاح تمكن الأسطورة من تأسيس المؤسسة العربية المصرفية بمساهمة ثلاث دول نفطية عربية هي ليبيا وأبوظبي ودولة الكويت. نجح الرجل في أن يصل بالصيرفة العربية إلى عنان السماء على الساحة الدولية، أبرم الصفقات الصعبة في سوق المال الفرنسية “بيرية ونستلة”، وقيل آنذاك أنه جاء إلى الغرب كي يحطم أسواقها تحطيما. أسس المصارف والشركات التابعة في أمريكا اللاتينية ولندن، واشترى مصارف كاملة مثل إتلتيكو الإسباني، وبنك آسيا الدولي في هونغ كونغ- تمدد عربيا - وأصبحت لديه أذرعا في الأردن ومصر والجزائر إلى جانب المركز الرئيس في البحرين.
آخر المطاف كان في مطلع تسعينات القرن الماضي عندما حول مؤسسته العربية المصرفية من شركة مساهمة مقفلة تملكها ثلاث حكومات إلى شركة مساهمة عامة بمشاركة القطاع الخاص العربي والأجنبي برفع رأس المال بنسبة 25 % تعود ملكيتها للأفراد والمؤسسات، إلى جانب 75 % للحكومات الثلاث سالفة الذكر.
نجح الرجل بجدارة في تغطية الاكتئاب، وأصبح ملء السمع والبصر على الساحتين الإقليمية والدولية الأمر الذي أزعج منافسيه الغربيين، وهدد مواقع تمركزهم في عقر دارهم بعد أن حصل على عشرات الجوائز والأوسمة من ملوك ورؤساء العالم أبرزهم ملك إسبانيا. كل هذا ساهم في تحويل نظرية المؤامرة إلى حقيقة واقعة ذلك أن شماعات عديدة كان الأميركيون خصيصا قد أعدوها سلقا؛ لكي يعلقوا عليها حثيثات ومبررات إقصاء الرجل.
“لوكيربي” بداية النهاية
كانت أزمة “لوكيربي” على أشدها، حيث الطائرة التي اتهم فيها نظام القذافي بأنه أسقطها على “القرية الوديعة” في شمال أسكتلندا وراح ضحيتها نحو 270 شخصا. العقاب الدولي لم يتربص بالقذافي ونظامه فقط، لكنه امتد إلى المال الليبي المشارك حول العالم، تتبعوه واقتفوا أثره، بل لأن السعودي نفسه لم يسلم من المؤامرة خصوصا أنه كان صيدا سهلا للأميركيين؛ نظرا لحالة الضعف العربي التي كانت ترخي سدولها على المشهد الدراماتيكي برمته.
السعودي- يحكى لـ “البلاد” القصة من البداية للنهاية
كيف انطلق بالمال العربي إلى الساحة الدولية وكيف عاد من خلفوه إلى الحظيرة المحلية بخفي حنين؟
- حرب عربية – عربية بمظلة دولية دارت رحاها بعد الغزو العراقي للكويت، فاتورة ضخمة تحملتها دول الخليج؛ للوفاء بتغطية النفقات، وتحمل الخسائر على أية حال.
الـ 750 مليون دولار المدفوعة في رأس مال الـ ABC آنذاك أصبحت لا تغني ولا تسمن من جوع، وبات من الضروري التفكير مؤقتا خارج الصندوق، فالمؤسسة التي جاءت ولادتها من رحم ثلاث حكومات نفطية كبرى هي الكويت والإمارات وليبيا تعاني محدودية الحركة ومن صعوبة الاستمرار في التحليق داخل فضاء المتغيرات، لذلك كان عبدالله السعودي سباقا عندما أطلق أول عملية خصخصة في تاريخ المصارف العربية بتحويل الأكبر من شركة مساهمة مقفلة إلى شركة مساهمة عامة بزيادة رأسمالها المدفوع بمقدار 250 مليون دولار ليصل الإجمالي إلى مليار دولار على أن تتم عملية الاكتتاب من خلال بورصات إقليمية ودولية عدة أذكر أنها كانت باريس والبحرين والكويت علاوة على الاكتتابات التي كانت تتم حول العالم وعلى مدار الساعة من خلال متعهدي التغطية أو “أندر رايترز”. وبالفعل نجحت الـ ABC وبسرعة مع المتغير الجديد خصوصا وأن إشراك القطاع الخاص لأول مرة ضمن حكومات تؤمن بصورة شبه مطلقة بأن التعاطي الأبوي مع الحالة الاقتصادية قد يوفر الضمانات الكافية لاستمرار المشاريع الكبرى، وأن القطاع الخاص العربي بتاريخه “العقاري” التليد لا يمكن أن يلد سوى مشاريع سكنية ومدن عمرانية، وأن الاستثمار في الصيرفة بعد عصري طلعت حرب وعائلة بن محفوظ مازال على المحك.
نهاية أسطورة
نجح السعودي في مغامرته الثانية بعد التأسيس لأكبر مصرف عربي. ما سبب إزعاجا أكبر للغرب ودفعهم إلى التفكير الجدي في إنهاء الأسطورة الاقتصادية العربية الجديدة التي شكلت للعالم صداعا ربما كان أكثر إيلاما من ذلك الذي يأتي من الساسة المرتعشين خصوصا بعد إنهاء الحقبة الناصرية بكبريائها المعروف وبعد تشرذم من كان يحمل اللواء العروبي إلى “شيع وقبائل”.
المؤامرة- من النظرية إلى الحقيقة
ما طبيعة المؤامرة عليك وأرجوك لا تقل أنك ضد نظرية المؤامرة؟
- في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر 1993- أصدر مجلس الأمن الدولي قراره بمعاقبة ليبيا وتجميد أرصدتها في البنوك والمؤسسات المالية الدولية، في ذلك الوقت كانت “الجماهيرية” تمتلك ربع رأس مال المؤسسة العربية المصرفية ومقداره 250 مليون دولار، علاوة على حصتها في شركة الخدمات المالية العربية بالبحرين ومصارف عدة حول العالم مثل اليوباف والمصرف العربي الدولي والبنك العربي الأمريكي اللاتيني والبنك العربي الإفريقي الدولي والمجموعة العربية للتامين “آريج” وغيرها.
“قصتي مع “الأوفاك”
أذكر أن مكتب “الأوفاك” التابع لوزارة الخزانة الأمريكية والمختص بتجميد الأرصدة المصرفية عندما تصدر المشهد بإصداره قرارات عقابية من مجلس الأمن الدولي كان يبحث في ذلك الوقت عما قيمة ملياري دولار تم اتهامك أنت شخصيا بإخفائها في مكان”ما” ما حقيقة ذلك؟
- أولا: المبلغ كان ثلاثة مليارات دولار وليس ملياري دولار، حيث كان موجودا في المؤسسة العربية المصرفية بالبحرين ولم يكن موجودا في مكان آخر.
أذكر أيضا أن “الأوفاك” لم يقم بتجميد الحصة الليبية في شركة الخدمات المالية العربية فحسب، حيث إن التجميد قد طال كامل أرصدة الشركة المقومة بالدولار وكانت تتجاوز المئة مليون دولار بقليل؟
- صحيح التجميد طال كامل رأس مال الشركة التابعة لـ “الإيه.بي.سي”، وهي الخدمات المالية العربية وليس الحصة الليبية وحدها، وهنا أود أن أشيد بدور حكومة البحرين في الدفاع عن الشركة أمام المجتمع الدولي بأسره، لكن تعال معي لنعود إلى قرار مجلس الأمن بخصوص العقوبات على ليبيا، في ذلك الوقت صدر القرار على أن يتم تنفيذه بعد تسعين يوما، وهو ما كان يعني إعطاء فرصة لليبيين لتصحيح أوضاعهم، ذلك أن القرار لم يكن نافذا على الفور. وأذكر- الكلام للسعودي- إن الليبيين كانوا يتعاملون في السوق الدولية بأريحية وكانوا مستمرين في فتح اعتمادات مستندية بالمصارف؛ لاستيراد سلع ومنتجات ومواد غذائية وطبية، وكانت عليهم مستحقات للغير من خلال بعض الأرصدة المدينة بعدد من المصارف، في ذلك الوقت كانت نصيحتي لهم هي: لماذا لا يستخدمون هذه الأموال “الثلاثة مليارات دولار”؛ لتسوية التزاماتهم المقدرة بملياري دولار آنذاك. ليتبقى منها مليار دولار رصيدا، وقد كان وحصل الليبيون على المبلغ في صورة شهادات إيداع: وأذكر أيضا أن “مستر نيوكوم” الذي كان يرأس مكتب “الأوفاك” في ذلك الوقت- سألني عن مبلغ الثلاثة مليار دولار- وفي ذلك الوقت أيضا- أجبته مازحا: لقد وضعت المبلغ في أكياس وأرسلتها إلى ليبيا- لكن بطبيعة الحال كان قد أستخدمها الليبيون بطرق مشروعة ومن خلال النظام المصرفي الدولي.
السوفييت وأنا
مجلة “إنستيتيوت إنفستورز” الأميركية كانت قد كتبت في شهر مارس 1994 لتقول: كيف أجهزت الولايات المتحدة الأميركية علي عبدالله السعودي، وكأنها كانت تتحدث عن هدم الاتحاد السوفيتي السابق كيف استقبلت هذا الكلام؟
- بطبيعة الحال- لم تكن دهشتي بالحجم الذي تم توجيه السؤال خلاله من مجلة دولية أمريكية – ذلك أنني كنت أعرف حجم القلق الذي كان يسببه انتشار المال العربي المؤسسي في النظام المصرفي الدولي- حيث السيطرة المطلقة للكبار والمنافسة غير المتكافئة مع الصغار- لم يتصور أكثر الساسة الدوليين تشاؤما أو تفاؤلا بأنه يمكن أن يأتي اليوم الذي يدخل إلى المشهد مصرفي عربي- بمؤسسة ضخمة كال”إيه. بي. سي”، وهي تحتل مساحة مؤثرة في العمل المالي العالمي. الأمر الذي أدى إلى استحكام حلقات المؤامرة وتخييري في العام 1994 إما الـ ABC، وإما أنا وذلك بعد أن تم الإفراج عن أرصدة شركة الخدمات المالية العربية ضمن صفقة من عدة محاور أهمها العودة إلى الأصل بالتحديد إلى أصل المشكلة وهي المؤسسة العربية المصرفية وكان عليَّ أن اختار.
حساب مفتوح
لكن قبل أن تدخل إلى الفترة الدراماتيكية في العام 1994 وقبل أن نجري جردا لحسابات أعتقد أنها مازالت مفتوحة حتى يومنا هذا كيف كان موقف حكومة البحرين؟ وكيف تعاملت مع الأزمة خصوصا أنني أذكر رحلات محكومية بين المنامة وواشنطن كان قد قام بها وزير المالية البحرين الأسبق إبراهيم عبدالكريم، ومعه محافظ مؤسسة النقد آنذاك عبدالله حسن سيف لبحث المعضلة مع وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت “وارين كريستوفر”؟
- موقف حكومة البحرين في عهد المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد الراحل كان شجاعا - حيث لم يدخر جهدا مع حكومته برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة لدعم القضية برمتها والوقوف جنبا إلى جنب معي شخصيا، ومع ضرورة بقاء المؤسسة العربية المصرفية رغم أن مملكة البحرين لم تكن مساهما رئيسا في الـ ABC آنذاك.
موقف سيئ
الموقف السيئ كان من دولة أخرى مساهمة خصوصا أن الرغبة الأمريكية كانت عازمة على غلق الـ ABC رغم أن رئيس “الأوفاك” آنذاك قالها بالحرف الواحد: لقد راجعت السلطات كلها سيرتك بما فيها الاحتياطي الفيدرالي والإدارة الأمريكية ووجدنا أنك تتمتع بسمعة جيدة.
قلت له: الكلام للسعودي، هذا كله سينتهي إذا فشلت في إيقاف رغبتكم الرامية لغلق الـ ABC؟
قال يوكوم: عموما حصة الليبيين مجمدة بموجب قرار الأمم المتحدة إلى جانب حصة الكويتيين بعد الغزو العراقي للكويت، وهو ما يمكن أن يصل بالحصة المجمدة في الـ ABC إلى أكثر من 51 %، وأنه حسب الأنظمة المعمول بها، فإننا لابد أن نغلق الـABC وقد حدث ذلك في التاسع من أغسطس العام 1990- محددين تاريخ السادس عشر من أغسطس كآخر موعد لتقديم ما يثبت تغير الظرف الذي أدى إلى تلك الحالة.
في ذلك الوقت كان السعودي- شديد البأس والإيمان بقضية مصرفه العربي- وكان قاطعا عندما واجه يوكوم، قائلا: لست محاميا، ولكن الموضوعية تقتضى أن نفكر بمنطق- فكيف نجمع قرارين بالعقاب في أن واحد، أحدهما صدر العام 1986 بتجميد الحصة الليبية في ABC والآخر العام 1990 بتجميد الحصة الكويتية؟ ثم إن القرار بتجميد تلك الحصة جاء بهدف الحماية لها والسؤال هو: كيف نجمع الحماية مع العقاب؟ معنى ذلك أنكم تريدون عقاب الكويتيين ولا تحمونهم؟
استمرت المداولات ثلاثة أيام أخرى، الكلام مازال للسعودي وحاولنا الاستنجاد، بالمسؤولين الكويتيين، وكنا ننتظر وقفة إيجابية معنا على أساس ملكية الكويت السيادية في الـ ABC، لكن لا حياة لمن تنادي؟
التقيت بالسفير الكويتي في واشنطن وطلبت منه رسالة تفيد بأن الحكومة الكويتية حريصة على بقاء الـ “إيه. بي. سي”؟ ولكن الرسالة التي جاءت إلى من السفير الكويتي آنذاك كانت تحمل ما يأتي: إن الحكومة الكويتية لا تمانع في اتخاذ أية إجراءات تراها الحكومة الأميركية ضرورية؟
حقا، لقد صدمني رد السفير الكويتي وخجلت من تقديم تلك الرسالة، واستمر السيناريو الغربي- الأمريكي- تحديدا مستهدفا الـ “إيه. بي. سي”، واستمر تعاطى العديد من الحكومات معي شخصيا، لكنهم لم يعيروا قضية أهم وأكبر مصرف عربي دولي أي اهتمام رغم ذلك، فإن ما كنت ومازالت أريد توصيله للعالم أجمع هو أن القضية ليست عبدالله السعودي- لكنها حماية الاستثمارات العربية، رغم هذا لم يتحرك أي ساكن لأية جهة عربية أخرى غير مملكة البحرين- فلا اتحاد المصارف العربية، ولا الجامعة العربية ولا مجلس الوحدة الاقتصادية ولا غيرها حاول التدخل أو حتى الإشارة من بعيد بأن هناك مؤسسة عربية ومالا عربيا يتم الاعتداء عليه.
“الخيار الصعب”
وهل خيروك بين ترك منصبك أو تصفية الـ “إيه. بي. سي”؟
- نعم خيروني، وكان الخيار صعبا - إما أن أستمر في المؤسسة العربية المصرفية كرئيس تنفيذي ونائبا لرئيس مجلس الإدارة، وبالتالي يتم وضع المؤسسة فيما يطلق عليه بالـ S.D.N، وهو ما يعني منع المصرف من استخدام الدولار، وهو ما يعني كذلك بأن نعمل في السوق الدولية من دون الدولار، وهو ما لم يمكن القبول به، ولأن المؤسسات باقية، والأشخاص زائلون، آثرت الانزواء رغما عني لأسباب غير اقتصادية وغير مهنية، بل وغير منطقية.
لكن كان يقال- خلف الكواليس بأنك كنت ديكتاتورا في إدارة الـ “إيه. بي. سي”، هل هذا صحيح؟
- طبعا قرار انزوائي من مشروع عمري ليس له أدنى علاقة بطريقة إدارتي لـ “إيه. بي. سي”، ورغم ذلك أستطيع التأكيد أن كل من عمل معي يقول: إنه قضى أجمل أيام عمره، عربا كانوا أم أجانب، ناهيك عن أن كل من عملوا معي يقودون اليوم أكبر المصارف وأكثرها نجاحا منهم على سبيل المثال الرئيس التنفيذي لمجموعة البركة المصرفية عدنان بن أحمد يوسف، فهو مثال للإجادة والتفوق، إذا كنت تقصد بسؤالك عن الديكتاتور في إدارتي، فإن ذلك الحزم الواجب، وإذا كان الحزم ديكتاتورية فأهلا بها.
طابور خامس
قيل أيضا إنك رغم اعتراضك على سياسات القذافي، فإنك كنت تحمي تلك السياسات على المستوى المالي الليبي في الخارج؟
- لم أكن قذافيا، ولم أكن من رجاله، ولم أكن موافقا في أي يوم من الأيام على سياساته كل ما كنت أقوم به من خدمات كان واجبا مني تجاه وطني ليبيا وتجاه ضميري كمصرفي يريد لوطنه العربي أن يرتقي، وأن يشارك في القرار المالي الدولي، صحيح أنني نجحت جزئيا، لكن الأكيد أن التجربة تستحق المراجعة والمتابعة والدراسة.
إذا كان ذلك يمثل أكثر من وجه للعملة، فهل علمت أن من بين أعضاء الصف الثاني في المؤسسة العربية المصرفية كان يعمل ضدك، ويتآمر عليك ويتصل بأعدائك وأعداء الـ “إيه. بي. سي”، وأعداء العرب لكي يخبرهم بتحركاتك وقراراتك، بتحديد أكثر كان هؤلاء البعض يبلغون السفارة الأميركية بكل خطوة وكل تصرف داخل “إيه. بي. سي”، ما رأيك فيما يتردد بهذا الصدد؟
- لا تخلو أية مؤسسة عربية من هذه العناصر خصوصا أن كثيرا من المؤسسات الغربية لا ترغب في أن ترى مؤسسات عربية داخل السوق الدولية، وهي تحقق نجاحات كبيرة، الأمر الذي دفع السعودي إلى القول بأن المؤسسات العربية التي انطلقت دوليا عادت إلى قواعدها مرة أخرى.
تركيع المؤسسة
وهل نجح الغرب في تركيع الـ “إيه. بي. سي” مثلا؟
- نعم نجح الغرب في تركيع الـ “إيه. بي. سي” وإعادته إلى حظيرته المحلية.
رؤساء من بعدي
لكن يقال إنك لعبت دورا في تعيين الذين خلفوك في رئاسته الـ “إيه. بي. سي”؟
- طبعا قرار تعيين الرئيس التنفيذي في المؤسسة العربية المصرفية يتم رسميا من مجلس الإدارة رغم ذلك، فإنني ساهمت في تسمية بعض العناصر في مقدمتهم الشيخ أحمد بن عبداللطيف الذي عمل سنتين، ومن بعده كنت أول من ذهب إلى غازي عبدالجواد في مكتبه ببنك الخليج الدولي، واقترحت عليه إذا كان يقبل برئاسة الـ “إيه. بي. سي”، وللتاريخ أقول: إن الرجل أعطاني السيرة الذاتية وقبل المنصب وتم تعيينه. عموما في عهدي لم تخسر “العربية المصرفية”، ولم يقم المساهمون بإضافة أي رأسمال جديد، كما عملنا برأس المال الأساسي الذي تم الاكتتاب فيه والمدهش أننا كنا نوزع أرباحا على المساهمين منذ شرعنا في طرح ربع رأس المال كزيادة على القطاع الخاص.
إذا كان ذلك يمثل وجها مشرقا لأداء رئيس تنفيذي عربي لمصرف دولي، فما هو مأخذك على الإدارات المتعاقبة بعدك في رئاسة الـ “إيه. بي. سي” ؟
- إذا كان لديَّ مأخذ على الإدارات المتعاقبة من بعدي وهذا ليس للنيل من أشخاص بحد ذاتهم، ولكن من أجل بقاء المؤسسة العربية المصرفية شامخة- إن هؤلاء- لم يلتفتوا إلى تاريخها العريق وتجربتها الفريدة وهو ما كان مسجلا في مجلدات دولية ومؤرخ له من خلال الاجتماعات السنوية للمجموعة، ولكن الإدارات التي تعاقبت من بعدي غيرت توجهات المؤسسة رأسا على عقب، كل الأهداف التي جاءت الـ “إيه. بي. سي” من أجلها تم إزاحتها تماما، والمحصلة معروفة زيادة رأس المال من مليار إلى ثلاثة مليارات دولار.
إذا تم عرض المنصب السابق عليك مرة أخرى، فهل ستقبل بالعودة؟
- بالتأكيد- مستحيل.
لماذا؟
- لأن كل المتغيرات والقواعد والثوابت التي بنيت على أساسها الـ “إيه. بي. سي” تم تغييبها تماما – كما أن الزمن غير الزمن، بالإضافة إلى أن رأس المال العربي كان مقبولا في مطلع الثمانينات، أما اليوم، فمواقف الغرب مع العرب مانعة؛ لأننا أصبحنا أقزاما بعد أن كنا عمالقة نستطيع الجلوس مع الكبار. هذه المرحلة انتهت.
وهل الأمة العربية بحاجة إلى تكرار تجربة الـ “إيه. بي. سي” بإنشاء مؤسسة مصرفية عربية كبرى لها أذرع دولية قوية؟
- نعم، لكن تنفيذ الفكرة بات مستحيلا.
لم يحتل مصرفي عربي تلك المكانة التي بلغها عبدالله بن عمار السعودي، لم يحدث ذلك؛ لأنه مهني من طراز رفيع وحسب، ولم يصل إلى هذه القمة لكونه عفيف اليد- نظيف القلب متعدد المهارات فقط، إنما تحقق له ذلك – لأنه كان ومازال وسيظل سفيرا للكبرياء العربي بعد ترجله، ومندوبا دائما لكرامتنا في أي مكان.
عبدالله السعودي الذي ترأس مجلس إدارة المصرف العربي الليبي الخارجي في سبعينات القرن الماضي كان يرى أن تأسيس ذراع مصرف دولي للوفورات العربية يمكن أن يحقق للمنطقة بأسرها وجودا فاعلا على الساحة الدولية وشراكة مطلوبة مع المجتمع الحقيقي للمال والأعمال في العالم.
بعد رحلة كفاح تمكن الأسطورة من تأسيس المؤسسة العربية المصرفية بمساهمة ثلاث دول نفطية عربية هي ليبيا وأبوظبي ودولة الكويت. نجح الرجل في أن يصل بالصيرفة العربية إلى عنان السماء على الساحة الدولية، أبرم الصفقات الصعبة في سوق المال الفرنسية “بيرية ونستلة”، وقيل آنذاك أنه جاء إلى الغرب كي يحطم أسواقها تحطيما. أسس المصارف والشركات التابعة في أمريكا اللاتينية ولندن، واشترى مصارف كاملة مثل إتلتيكو الإسباني، وبنك آسيا الدولي في هونغ كونغ- تمدد عربيا - وأصبحت لديه أذرعا في الأردن ومصر والجزائر إلى جانب المركز الرئيس في البحرين.
آخر المطاف كان في مطلع تسعينات القرن الماضي عندما حول مؤسسته العربية المصرفية من شركة مساهمة مقفلة تملكها ثلاث حكومات إلى شركة مساهمة عامة بمشاركة القطاع الخاص العربي والأجنبي برفع رأس المال بنسبة 25 % تعود ملكيتها للأفراد والمؤسسات، إلى جانب 75 % للحكومات الثلاث سالفة الذكر.
نجح الرجل بجدارة في تغطية الاكتئاب، وأصبح ملء السمع والبصر على الساحتين الإقليمية والدولية الأمر الذي أزعج منافسيه الغربيين، وهدد مواقع تمركزهم في عقر دارهم بعد أن حصل على عشرات الجوائز والأوسمة من ملوك ورؤساء العالم أبرزهم ملك إسبانيا. كل هذا ساهم في تحويل نظرية المؤامرة إلى حقيقة واقعة ذلك أن شماعات عديدة كان الأميركيون خصيصا قد أعدوها سلقا؛ لكي يعلقوا عليها حثيثات ومبررات إقصاء الرجل.
“لوكيربي” بداية النهاية
كانت أزمة “لوكيربي” على أشدها، حيث الطائرة التي اتهم فيها نظام القذافي بأنه أسقطها على “القرية الوديعة” في شمال أسكتلندا وراح ضحيتها نحو 270 شخصا. العقاب الدولي لم يتربص بالقذافي ونظامه فقط، لكنه امتد إلى المال الليبي المشارك حول العالم، تتبعوه واقتفوا أثره، بل لأن السعودي نفسه لم يسلم من المؤامرة خصوصا أنه كان صيدا سهلا للأميركيين؛ نظرا لحالة الضعف العربي التي كانت ترخي سدولها على المشهد الدراماتيكي برمته.
السعودي- يحكى لـ “البلاد” القصة من البداية للنهاية
كيف انطلق بالمال العربي إلى الساحة الدولية وكيف عاد من خلفوه إلى الحظيرة المحلية بخفي حنين؟
- حرب عربية – عربية بمظلة دولية دارت رحاها بعد الغزو العراقي للكويت، فاتورة ضخمة تحملتها دول الخليج؛ للوفاء بتغطية النفقات، وتحمل الخسائر على أية حال.
الـ 750 مليون دولار المدفوعة في رأس مال الـ ABC آنذاك أصبحت لا تغني ولا تسمن من جوع، وبات من الضروري التفكير مؤقتا خارج الصندوق، فالمؤسسة التي جاءت ولادتها من رحم ثلاث حكومات نفطية كبرى هي الكويت والإمارات وليبيا تعاني محدودية الحركة ومن صعوبة الاستمرار في التحليق داخل فضاء المتغيرات، لذلك كان عبدالله السعودي سباقا عندما أطلق أول عملية خصخصة في تاريخ المصارف العربية بتحويل الأكبر من شركة مساهمة مقفلة إلى شركة مساهمة عامة بزيادة رأسمالها المدفوع بمقدار 250 مليون دولار ليصل الإجمالي إلى مليار دولار على أن تتم عملية الاكتتاب من خلال بورصات إقليمية ودولية عدة أذكر أنها كانت باريس والبحرين والكويت علاوة على الاكتتابات التي كانت تتم حول العالم وعلى مدار الساعة من خلال متعهدي التغطية أو “أندر رايترز”. وبالفعل نجحت الـ ABC وبسرعة مع المتغير الجديد خصوصا وأن إشراك القطاع الخاص لأول مرة ضمن حكومات تؤمن بصورة شبه مطلقة بأن التعاطي الأبوي مع الحالة الاقتصادية قد يوفر الضمانات الكافية لاستمرار المشاريع الكبرى، وأن القطاع الخاص العربي بتاريخه “العقاري” التليد لا يمكن أن يلد سوى مشاريع سكنية ومدن عمرانية، وأن الاستثمار في الصيرفة بعد عصري طلعت حرب وعائلة بن محفوظ مازال على المحك.
نهاية أسطورة
نجح السعودي في مغامرته الثانية بعد التأسيس لأكبر مصرف عربي. ما سبب إزعاجا أكبر للغرب ودفعهم إلى التفكير الجدي في إنهاء الأسطورة الاقتصادية العربية الجديدة التي شكلت للعالم صداعا ربما كان أكثر إيلاما من ذلك الذي يأتي من الساسة المرتعشين خصوصا بعد إنهاء الحقبة الناصرية بكبريائها المعروف وبعد تشرذم من كان يحمل اللواء العروبي إلى “شيع وقبائل”.
المؤامرة- من النظرية إلى الحقيقة
ما طبيعة المؤامرة عليك وأرجوك لا تقل أنك ضد نظرية المؤامرة؟
- في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر 1993- أصدر مجلس الأمن الدولي قراره بمعاقبة ليبيا وتجميد أرصدتها في البنوك والمؤسسات المالية الدولية، في ذلك الوقت كانت “الجماهيرية” تمتلك ربع رأس مال المؤسسة العربية المصرفية ومقداره 250 مليون دولار، علاوة على حصتها في شركة الخدمات المالية العربية بالبحرين ومصارف عدة حول العالم مثل اليوباف والمصرف العربي الدولي والبنك العربي الأمريكي اللاتيني والبنك العربي الإفريقي الدولي والمجموعة العربية للتامين “آريج” وغيرها.
“قصتي مع “الأوفاك”
أذكر أن مكتب “الأوفاك” التابع لوزارة الخزانة الأمريكية والمختص بتجميد الأرصدة المصرفية عندما تصدر المشهد بإصداره قرارات عقابية من مجلس الأمن الدولي كان يبحث في ذلك الوقت عما قيمة ملياري دولار تم اتهامك أنت شخصيا بإخفائها في مكان”ما” ما حقيقة ذلك؟
- أولا: المبلغ كان ثلاثة مليارات دولار وليس ملياري دولار، حيث كان موجودا في المؤسسة العربية المصرفية بالبحرين ولم يكن موجودا في مكان آخر.
أذكر أيضا أن “الأوفاك” لم يقم بتجميد الحصة الليبية في شركة الخدمات المالية العربية فحسب، حيث إن التجميد قد طال كامل أرصدة الشركة المقومة بالدولار وكانت تتجاوز المئة مليون دولار بقليل؟
- صحيح التجميد طال كامل رأس مال الشركة التابعة لـ “الإيه.بي.سي”، وهي الخدمات المالية العربية وليس الحصة الليبية وحدها، وهنا أود أن أشيد بدور حكومة البحرين في الدفاع عن الشركة أمام المجتمع الدولي بأسره، لكن تعال معي لنعود إلى قرار مجلس الأمن بخصوص العقوبات على ليبيا، في ذلك الوقت صدر القرار على أن يتم تنفيذه بعد تسعين يوما، وهو ما كان يعني إعطاء فرصة لليبيين لتصحيح أوضاعهم، ذلك أن القرار لم يكن نافذا على الفور. وأذكر- الكلام للسعودي- إن الليبيين كانوا يتعاملون في السوق الدولية بأريحية وكانوا مستمرين في فتح اعتمادات مستندية بالمصارف؛ لاستيراد سلع ومنتجات ومواد غذائية وطبية، وكانت عليهم مستحقات للغير من خلال بعض الأرصدة المدينة بعدد من المصارف، في ذلك الوقت كانت نصيحتي لهم هي: لماذا لا يستخدمون هذه الأموال “الثلاثة مليارات دولار”؛ لتسوية التزاماتهم المقدرة بملياري دولار آنذاك. ليتبقى منها مليار دولار رصيدا، وقد كان وحصل الليبيون على المبلغ في صورة شهادات إيداع: وأذكر أيضا أن “مستر نيوكوم” الذي كان يرأس مكتب “الأوفاك” في ذلك الوقت- سألني عن مبلغ الثلاثة مليار دولار- وفي ذلك الوقت أيضا- أجبته مازحا: لقد وضعت المبلغ في أكياس وأرسلتها إلى ليبيا- لكن بطبيعة الحال كان قد أستخدمها الليبيون بطرق مشروعة ومن خلال النظام المصرفي الدولي.
السوفييت وأنا
مجلة “إنستيتيوت إنفستورز” الأميركية كانت قد كتبت في شهر مارس 1994 لتقول: كيف أجهزت الولايات المتحدة الأميركية علي عبدالله السعودي، وكأنها كانت تتحدث عن هدم الاتحاد السوفيتي السابق كيف استقبلت هذا الكلام؟
- بطبيعة الحال- لم تكن دهشتي بالحجم الذي تم توجيه السؤال خلاله من مجلة دولية أمريكية – ذلك أنني كنت أعرف حجم القلق الذي كان يسببه انتشار المال العربي المؤسسي في النظام المصرفي الدولي- حيث السيطرة المطلقة للكبار والمنافسة غير المتكافئة مع الصغار- لم يتصور أكثر الساسة الدوليين تشاؤما أو تفاؤلا بأنه يمكن أن يأتي اليوم الذي يدخل إلى المشهد مصرفي عربي- بمؤسسة ضخمة كال”إيه. بي. سي”، وهي تحتل مساحة مؤثرة في العمل المالي العالمي. الأمر الذي أدى إلى استحكام حلقات المؤامرة وتخييري في العام 1994 إما الـ ABC، وإما أنا وذلك بعد أن تم الإفراج عن أرصدة شركة الخدمات المالية العربية ضمن صفقة من عدة محاور أهمها العودة إلى الأصل بالتحديد إلى أصل المشكلة وهي المؤسسة العربية المصرفية وكان عليَّ أن اختار.
حساب مفتوح
لكن قبل أن تدخل إلى الفترة الدراماتيكية في العام 1994 وقبل أن نجري جردا لحسابات أعتقد أنها مازالت مفتوحة حتى يومنا هذا كيف كان موقف حكومة البحرين؟ وكيف تعاملت مع الأزمة خصوصا أنني أذكر رحلات محكومية بين المنامة وواشنطن كان قد قام بها وزير المالية البحرين الأسبق إبراهيم عبدالكريم، ومعه محافظ مؤسسة النقد آنذاك عبدالله حسن سيف لبحث المعضلة مع وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت “وارين كريستوفر”؟
- موقف حكومة البحرين في عهد المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البلاد الراحل كان شجاعا - حيث لم يدخر جهدا مع حكومته برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة لدعم القضية برمتها والوقوف جنبا إلى جنب معي شخصيا، ومع ضرورة بقاء المؤسسة العربية المصرفية رغم أن مملكة البحرين لم تكن مساهما رئيسا في الـ ABC آنذاك.
موقف سيئ
الموقف السيئ كان من دولة أخرى مساهمة خصوصا أن الرغبة الأمريكية كانت عازمة على غلق الـ ABC رغم أن رئيس “الأوفاك” آنذاك قالها بالحرف الواحد: لقد راجعت السلطات كلها سيرتك بما فيها الاحتياطي الفيدرالي والإدارة الأمريكية ووجدنا أنك تتمتع بسمعة جيدة.
قلت له: الكلام للسعودي، هذا كله سينتهي إذا فشلت في إيقاف رغبتكم الرامية لغلق الـ ABC؟
قال يوكوم: عموما حصة الليبيين مجمدة بموجب قرار الأمم المتحدة إلى جانب حصة الكويتيين بعد الغزو العراقي للكويت، وهو ما يمكن أن يصل بالحصة المجمدة في الـ ABC إلى أكثر من 51 %، وأنه حسب الأنظمة المعمول بها، فإننا لابد أن نغلق الـABC وقد حدث ذلك في التاسع من أغسطس العام 1990- محددين تاريخ السادس عشر من أغسطس كآخر موعد لتقديم ما يثبت تغير الظرف الذي أدى إلى تلك الحالة.
في ذلك الوقت كان السعودي- شديد البأس والإيمان بقضية مصرفه العربي- وكان قاطعا عندما واجه يوكوم، قائلا: لست محاميا، ولكن الموضوعية تقتضى أن نفكر بمنطق- فكيف نجمع قرارين بالعقاب في أن واحد، أحدهما صدر العام 1986 بتجميد الحصة الليبية في ABC والآخر العام 1990 بتجميد الحصة الكويتية؟ ثم إن القرار بتجميد تلك الحصة جاء بهدف الحماية لها والسؤال هو: كيف نجمع الحماية مع العقاب؟ معنى ذلك أنكم تريدون عقاب الكويتيين ولا تحمونهم؟
استمرت المداولات ثلاثة أيام أخرى، الكلام مازال للسعودي وحاولنا الاستنجاد، بالمسؤولين الكويتيين، وكنا ننتظر وقفة إيجابية معنا على أساس ملكية الكويت السيادية في الـ ABC، لكن لا حياة لمن تنادي؟
التقيت بالسفير الكويتي في واشنطن وطلبت منه رسالة تفيد بأن الحكومة الكويتية حريصة على بقاء الـ “إيه. بي. سي”؟ ولكن الرسالة التي جاءت إلى من السفير الكويتي آنذاك كانت تحمل ما يأتي: إن الحكومة الكويتية لا تمانع في اتخاذ أية إجراءات تراها الحكومة الأميركية ضرورية؟
حقا، لقد صدمني رد السفير الكويتي وخجلت من تقديم تلك الرسالة، واستمر السيناريو الغربي- الأمريكي- تحديدا مستهدفا الـ “إيه. بي. سي”، واستمر تعاطى العديد من الحكومات معي شخصيا، لكنهم لم يعيروا قضية أهم وأكبر مصرف عربي دولي أي اهتمام رغم ذلك، فإن ما كنت ومازالت أريد توصيله للعالم أجمع هو أن القضية ليست عبدالله السعودي- لكنها حماية الاستثمارات العربية، رغم هذا لم يتحرك أي ساكن لأية جهة عربية أخرى غير مملكة البحرين- فلا اتحاد المصارف العربية، ولا الجامعة العربية ولا مجلس الوحدة الاقتصادية ولا غيرها حاول التدخل أو حتى الإشارة من بعيد بأن هناك مؤسسة عربية ومالا عربيا يتم الاعتداء عليه.
“الخيار الصعب”
وهل خيروك بين ترك منصبك أو تصفية الـ “إيه. بي. سي”؟
- نعم خيروني، وكان الخيار صعبا - إما أن أستمر في المؤسسة العربية المصرفية كرئيس تنفيذي ونائبا لرئيس مجلس الإدارة، وبالتالي يتم وضع المؤسسة فيما يطلق عليه بالـ S.D.N، وهو ما يعني منع المصرف من استخدام الدولار، وهو ما يعني كذلك بأن نعمل في السوق الدولية من دون الدولار، وهو ما لم يمكن القبول به، ولأن المؤسسات باقية، والأشخاص زائلون، آثرت الانزواء رغما عني لأسباب غير اقتصادية وغير مهنية، بل وغير منطقية.
لكن كان يقال- خلف الكواليس بأنك كنت ديكتاتورا في إدارة الـ “إيه. بي. سي”، هل هذا صحيح؟
- طبعا قرار انزوائي من مشروع عمري ليس له أدنى علاقة بطريقة إدارتي لـ “إيه. بي. سي”، ورغم ذلك أستطيع التأكيد أن كل من عمل معي يقول: إنه قضى أجمل أيام عمره، عربا كانوا أم أجانب، ناهيك عن أن كل من عملوا معي يقودون اليوم أكبر المصارف وأكثرها نجاحا منهم على سبيل المثال الرئيس التنفيذي لمجموعة البركة المصرفية عدنان بن أحمد يوسف، فهو مثال للإجادة والتفوق، إذا كنت تقصد بسؤالك عن الديكتاتور في إدارتي، فإن ذلك الحزم الواجب، وإذا كان الحزم ديكتاتورية فأهلا بها.
طابور خامس
قيل أيضا إنك رغم اعتراضك على سياسات القذافي، فإنك كنت تحمي تلك السياسات على المستوى المالي الليبي في الخارج؟
- لم أكن قذافيا، ولم أكن من رجاله، ولم أكن موافقا في أي يوم من الأيام على سياساته كل ما كنت أقوم به من خدمات كان واجبا مني تجاه وطني ليبيا وتجاه ضميري كمصرفي يريد لوطنه العربي أن يرتقي، وأن يشارك في القرار المالي الدولي، صحيح أنني نجحت جزئيا، لكن الأكيد أن التجربة تستحق المراجعة والمتابعة والدراسة.
إذا كان ذلك يمثل أكثر من وجه للعملة، فهل علمت أن من بين أعضاء الصف الثاني في المؤسسة العربية المصرفية كان يعمل ضدك، ويتآمر عليك ويتصل بأعدائك وأعداء الـ “إيه. بي. سي”، وأعداء العرب لكي يخبرهم بتحركاتك وقراراتك، بتحديد أكثر كان هؤلاء البعض يبلغون السفارة الأميركية بكل خطوة وكل تصرف داخل “إيه. بي. سي”، ما رأيك فيما يتردد بهذا الصدد؟
- لا تخلو أية مؤسسة عربية من هذه العناصر خصوصا أن كثيرا من المؤسسات الغربية لا ترغب في أن ترى مؤسسات عربية داخل السوق الدولية، وهي تحقق نجاحات كبيرة، الأمر الذي دفع السعودي إلى القول بأن المؤسسات العربية التي انطلقت دوليا عادت إلى قواعدها مرة أخرى.
تركيع المؤسسة
وهل نجح الغرب في تركيع الـ “إيه. بي. سي” مثلا؟
- نعم نجح الغرب في تركيع الـ “إيه. بي. سي” وإعادته إلى حظيرته المحلية.
رؤساء من بعدي
لكن يقال إنك لعبت دورا في تعيين الذين خلفوك في رئاسته الـ “إيه. بي. سي”؟
- طبعا قرار تعيين الرئيس التنفيذي في المؤسسة العربية المصرفية يتم رسميا من مجلس الإدارة رغم ذلك، فإنني ساهمت في تسمية بعض العناصر في مقدمتهم الشيخ أحمد بن عبداللطيف الذي عمل سنتين، ومن بعده كنت أول من ذهب إلى غازي عبدالجواد في مكتبه ببنك الخليج الدولي، واقترحت عليه إذا كان يقبل برئاسة الـ “إيه. بي. سي”، وللتاريخ أقول: إن الرجل أعطاني السيرة الذاتية وقبل المنصب وتم تعيينه. عموما في عهدي لم تخسر “العربية المصرفية”، ولم يقم المساهمون بإضافة أي رأسمال جديد، كما عملنا برأس المال الأساسي الذي تم الاكتتاب فيه والمدهش أننا كنا نوزع أرباحا على المساهمين منذ شرعنا في طرح ربع رأس المال كزيادة على القطاع الخاص.
إذا كان ذلك يمثل وجها مشرقا لأداء رئيس تنفيذي عربي لمصرف دولي، فما هو مأخذك على الإدارات المتعاقبة بعدك في رئاسة الـ “إيه. بي. سي” ؟
- إذا كان لديَّ مأخذ على الإدارات المتعاقبة من بعدي وهذا ليس للنيل من أشخاص بحد ذاتهم، ولكن من أجل بقاء المؤسسة العربية المصرفية شامخة- إن هؤلاء- لم يلتفتوا إلى تاريخها العريق وتجربتها الفريدة وهو ما كان مسجلا في مجلدات دولية ومؤرخ له من خلال الاجتماعات السنوية للمجموعة، ولكن الإدارات التي تعاقبت من بعدي غيرت توجهات المؤسسة رأسا على عقب، كل الأهداف التي جاءت الـ “إيه. بي. سي” من أجلها تم إزاحتها تماما، والمحصلة معروفة زيادة رأس المال من مليار إلى ثلاثة مليارات دولار.
إذا تم عرض المنصب السابق عليك مرة أخرى، فهل ستقبل بالعودة؟
- بالتأكيد- مستحيل.
لماذا؟
- لأن كل المتغيرات والقواعد والثوابت التي بنيت على أساسها الـ “إيه. بي. سي” تم تغييبها تماما – كما أن الزمن غير الزمن، بالإضافة إلى أن رأس المال العربي كان مقبولا في مطلع الثمانينات، أما اليوم، فمواقف الغرب مع العرب مانعة؛ لأننا أصبحنا أقزاما بعد أن كنا عمالقة نستطيع الجلوس مع الكبار. هذه المرحلة انتهت.
وهل الأمة العربية بحاجة إلى تكرار تجربة الـ “إيه. بي. سي” بإنشاء مؤسسة مصرفية عربية كبرى لها أذرع دولية قوية؟
- نعم، لكن تنفيذ الفكرة بات مستحيلا.
