الذين انقلبوا على الشرعية في مصر في 3 يوليو العام الماضي فاتهم شيء مهم جدا ربما لم يفكروا فيه، وهو أنهم أسقطوا حكما ولا يتوقف الأمر عند هذا الإسقاط انما وضعهم الانقلاب في موضع المسؤول الذي عليه ان يتصدى للحكم ويتحمل الأمر على عاتقه وما ذلك بالأمر الهين إلا على من لا يفقه وحظه من الفكر قليل، فأي نظام حكم يخالف الفطرة البشرية مصيره الى الفشل والزوال لأن اصل الحكم ونظامه يقوم على فكرة حمل الناس المحكومين على الفطرة وعلى الشرعية وقواعد الدين والأخلاق وقانون نابع من الفطرة وما يرضى به الأغلب الأعم من الأمة، فلا يلزم للحكم بالتالي الا الحد الأدنى القليل من القوة ونفر قليل جدا من الأفراد لحراسة النظام وتسيير الأمور وهم السلطة الحاكمة. ولا تخالف الشرع السماوي هذه الفكرة بل ان الاعرابي الذي آمن بالاسلام عندما سئل لماذا آمنت بمحمد (صلى الله عليه وسلم) قال لأنني ما وجدت فيما يدعو اليه محمد ما يخالف فطرتي. بل ان علماء القانون يعتبرون القانون غير النابع من ثقافة امة وأخلاقها وما فطر عليه ناسها مصيره الى الفشل والإلغاء سريعا. وعندما يطلب من الناس ان يسيروا على فطرتهم وثقافة جمعهم ومخزون هذه الثقافة من دين وأخلاق فإن عدد من يخالفون ويستحقون العقاب يصبح قليلا ونادرا ومن يطبق القانون من رجال السلطة يكون مقتنعا بهذا القانون لانه ابن المجتمع وعلى فطرته لذلك يقل عدد من نحتاج اليهم من شرطة ورجال قانون وتقل الكلفة أيضا وبالتالي توجه موارد الدولة الى التنمية الحقيقية وتعم العدالة الاجتماعية مع وجود الحكم الرشيد.
لكن ماذا يحصل مع الانقلاب الآن في مصر فالمطلوب من المصريين ان يصدقوا من ناقض كلامه بمعرفتهم وأن يتنكروا لكل من يحمل الفكر الاسلامي وأن يوصف بلا دليل بأنه إرهابي وأن تلوى الحقائق وتقلب الأمور رأسا على عقب، يقدم الفاسد ويقتل المطالب بالحق، وتغير منظومة الثقافة والأخلاق وتصادر الحريات ويمنع التعبير عن الرأي فتوصف الكثير من الاخلاقيات بأنها جرائم ويقسم الناس وكل هذا الذي ذكرناه هو ما يريده الممسك بخيوط لعبة الانقلاب وهو يريد كل ذلك للأمة المصرية والعربية والإسلامية، ويريد الانقلابيون أن يحملوا الناس على الطاعة والسير حسب هذه المنظومة الغريبة المخالفة للدين والفطرة ولأجل ذلك فإنه حتى يستطيع الانقلابيون أن يصلوا الى الهدوء وما يعتبرونه نظاما في ظل متطلبات حكمهم وقانونهم يتطلب جيوشا كاملة من الشرطة والمسلحين ولن يكتفوا، وبالتالي سيضطرون لاستعمال المجرمين والبلطجية والإعلاميين، كما ان هؤلاء الشرطة والجيش والمخابرات وغيرهم هم من ابناء مصر ويعلمون ثقافتها وفطرة الناس فيها فحتى يطيعوا الأوامر ويحملوا الناس على ما لا يرضاه عقل ولا دين ولا ضمير فإنهم سيطلبون ثمنا باهظا حتى يتخلوا عن الضمير ليقتلوا ويسحلوا ويظلموا ولن يفعل ذلك كل شرطة مصر وجيشها ومخابراتها فهنالك شرفاء لكن من يرضون ببيع الضمير سيطلبون الكثير وكل واحد من هؤلاء هو مشروع لمليونير ولأجل ذلك فإن اموال قارون كلها لن تكفي للإنفاق على الانقلابيين، فعندما تريد حكم الناس على خلاف فطرتهم فإنك ستصطدم بغالبيتهم وستحتاج الى ملايين من الشرطة وتريليونات من الدولارات حتى تحكم على خلاف الفطرة وثقافة الأمة. الاتحاد السوفيتي أقوى سلطة عرفها التاريخ سقط لأنه تطلب ما يخالف فطرة الناس ودينهم وثقافتهم، كما ان المستهدف بالظلم يضطر الى عدم الطاعة والمقاومة ولو سلميا وهذا يلقي عبئا آخر وكلفة أخرى على عاتق الانقلابيين، الانقلاب سيسقط في النهاية.. هذا الأمر لا يحتمل الشك أبدا مثل مقولة إن 1+ 1 = 2.