كنت من غير المعجبين بالفانتازية أو الفانتاستيكية في الأدب والرواية وأحس بأن ما تتضمنه ليس له علاقة بالواقع ولا يفيد شيئا لا من قريب ولا من بعيد، حتى إنها تفسد الخيال النافع للعقل أحيانا، لكن وبعد الذي حصل في مصر منذ الصيف الماضي وما زال جاريا وكذلك انتخابات الرئاسة الجزائرية ثم ثالثة الاثافي ترشح بشار الأسد الآن للرئاسة مع وجود منافسين اثنين له (وشر البلية ما يضحك) ها أنا أغير رأيي عن سبق تصور وقناعة بأن أدب اللاواقع لم يكن شيئا زائدا بلا معنى، وإنما هو تعبير دقيق عن بعض الواقع الموجود بين ظهرانينا في دنيا لم نفهم بعد أسرارها.
في الجزائر ترشح بوتفليقة مؤخرا للرئاسة دون أن يكون قادرا على الكلام وهو منذ ما قبل هذا الترشيح الأخير أقرب إلى الموت السريري منه إلى الحياة، وهو شخصيا لم يترشح وإنما رشحه غيره وعلى الأرجح دون أن يعي هو ما يحصل، ثم فاز بالرئاسة فوزا مؤزرا يتناسب مع جلال اللاواقعية التي تضرب بعض أركان عالمنا العربي الآن وتجعله يعيش مرحلة انحطاط لم تصل إليها أمة أو شعب من قبل ولا من بعد، ولم يكن لبوتفليقة من ميزة ليكون هو الرئيس الأوحد لفترة قادمة حتى لو كان ميتا إلا ميزة أنه هو مرشح العسكر ولم يوفقوا بعد للوصول إلى بديل له، فاضطروا إلى إعادته إلى الحكم وهو شبه ميت، وإن مات فقد يؤخر موته على طريقة تأجيل موت الزعيم في مسرحية عادل إمام (الزعيم)، ومنذ الثلاثين من يونيو الماضي ونحن نعيش عالم الفانتازيا في مصر.. أول تلك الفانتازيا أن المتظاهرين في الثلاثين من يونيو الذين احتلوا التحرير وشارع الاتحادية بلغ عددهم على رأي إعلاميي جبهة الإنقاذ وقادتها وقنوات سويرس الفضائية بين 22 إلى 54 مليون متظاهر، في حين أن تلك المساحة من ناحية علمية لا تتسع إلا لثمانمائة ألف تقريبا، بعد ذلك شاهد العالم أجمع وببث حي ومباشر المذابح التي حصلت للمتظاهرين ضد الانقلاب، وشاهد العالم من الذي قتلهم وما زالت المناظر حية على اليوتيوب وأهم تلك المذابح رابعة، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن ونفس الجوقة يصرون على أن المتظاهرين هم الذين قتلوا أنفسهم أو انتحروا أو جاءهم رصاص من الإخوان المسلمين، ناهيك عن مسلسل عدم الترشح والترشح وصولا إلى الترشح وإيجاد مرشح آخر، وكنا نقرأ عن أغرب المحاكمات في التاريخ بدءا من محاكمة سيدنا المسيح وانتهاء بقراقوش القاضي إلى أن فاجأنا عالم اللاواقع بالقاضي المصري الذي يحكم على أكثر من ألف متهم بالإعدام مرة واحدة رغم أن بينهم أموات منذ ثلاث سنوات.
أليس اللاواقع في الأدب شيء واقعي، وما لا يمكن تصديقه من أدب الحكواتي أيام زمان أصبح شيئا يعاش ونراه صباح مساء على الفضائيات؟
ما أقوله هنا لا يحط من شأن مصر، فمصر هي أم الدنيا نحبها ونخشى عليها الأعداء، وهي البلد حقا التي إن قدر الله مماتها لا يرفع الشرق الرأس بعدها وهي ولادة ولن يكون اللاواقع فيها إلا غيمة عابرة.