معظم الدول تسمي مؤسساتها التعليمية “وزارة التربية والتعليم” وليس التعليم فقط، وذلك يكون بسبب الدور التربوي الذي تقوم به تلك الأجهزة والمؤسسات الرسمية والخاصة، ودورها في بناء شخصية الإنسان بالتعاون مع المجتمع والأسرة، ولكن الجانب التعليمي له الدور البارز في التشكيل المعرفي والفكري للإنسان، لذلك عندما يبدأ الإنسان بناء مساره الفكري يكون لديه مخزون معرفي تم بناؤه وتشكيله في صغره عن طريق التعليم والمجتمع.
ونحن صغار كانت لدينا في كتب المطالعة معلومات تقول اننا في وطن عربي واحد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي او من مراكش إلى البحرين، وكنا نتعلم أن المقيمين على هذه الأرض الكبيرة هم أمة واحدة ذات تاريخ واحد ومصير واحد، وكنا في صغرنا كذلك نقرأ في الأناشيد والأشعار “بلاد العرب أوطاني... من الشام لبغداد، ومن نجد إلى يمن... إلى مصر فتطوان”، وفي كتب التاريخ كنا نقرأ الكثير عن الماضي المشرق لهذه الأمة والفتوحات العربية الإسلامية التي وصلت إلى الصين وأوروبا وماذا فعل العرب الذين انتشر بهم وبيدهم الدين الحنيف شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، وكنا نقرا عن البطولات العربية التي تقول بمكانة العربي العالية، كنا نرى في الكتب التاريخية صورا تخيلية تظهر صورة العربي وشموخه وعلو هامته، كنا نقرأ في الجغرافيا أن السودان يمكن أن تكون سلة الغذاء العربي ولم نقرأ انها سلة الغذاء الإفريقي، والفارق كبير بين التعبيرين، فالأول يربط السودان بأمتها العربية جغرافيا وتاريخيا وشعورا ومستقبلا، اما الثاني فليس أكثر من علاقة جغرافية بين الطرفين.
لم يكن كل ذلك يحدث في السر أو من وراء حجاب، بل كان رسميا علنيا وبإرادة القائمين على أمور التعليم في وطننا العربي الكبير وكان كل ذلك يجعلنا نفخر بعروبتنا ونعتز بكوننا عربا منتمين لهذه الأمة التي كان لها دور بارز ومميز في نهضة الأمم الأخرى، فما الذي حدث؟ ما الذي تغير وحدا بالكثيرين للتحول من أمة عربية إلى أقطار عربية تتناحر وتقاتل بعضها ويراد لنا أن نقر كل ذلك ونراه واقعا يجب الخضوع له، ولماذا تنكر النظام العربي بمجمله لما كان يقوله في السابق؟ لماذا يريد منا ان نتبرأ مما كان يعلمه لنا في الماضي القريب؟ هل تغيرت الأمة العربية وغدت امة أخرى؟ أم أن بعض المنتمين لها تغيرت مصالحهم وتضاربت مع مصالحها.
لا ذنب لنا كمواطنين عرب في ما كنا نتعلمه في السابق – وهو صحيح -، بالتالي لا ذنب لنا في ما نحمله من فكر وما تم بناؤه في السابق وتشكيله عربيا، أنتم غرستم هذه البذرة فكيف تتنكرون لنتائجها ومحصولها بعد أن نمت وتفتحت وتريدون منا أن نؤمن بأننا مجرد دول متفرقة تحكمها أنظمة مستبدة، كيف تريجون منا الآن ان نوافق على ما آل إليه الإنسان العربي الذي كنتم ترونه في السابق ذلك الإنسان الشامخ وتحولونه اليوم إلى الإنسان الذليل المشرد هنا وهناك المحتاج لحسنة الآخرين، فهذا العربي لم يتغير ولكن من تغير هو النظام العربي وتحول من جزء من أمة عربية واحدة إلى فتات متفرق متناحر.
نحن كعرب لا ذنب لنا في ما انتم فيه، وفي التحول الذي طرأ عليكم وجعلكم تتنكرون لواقع الأمة ومستقبلها، لذلك سنظل مؤمنين بأمتنا ومعتزين بتاريخها وعاملين على بناء مستقبلها ومحاربين من اجلها ومن أجل وحدتها، أما أنتم فمصيركم لن يكون اكثر أو أفضل من مصير من حارب أمته وتنكر لشعبها فتجاهلته ونسيته ولم تذكره بخير.