بحق يُصْدَم من يرى ويسمع ذلك التقرير الذي بثته قناة الجزيرة حول التعليم صباح الخميس ويرى بعينه ما حدث للعراق في الجانب التعليمي العالي فما بال التعليم الأساسي، ويصاب بنوع من الإحباط حين يرى ما كنا فيه قبل الاحتلال وبعده وكيف انهار ولا نقول تدهور التعليم هناك وانهارت معه عملية انتاج الإنسان العربي في العراق، وحين يستمع للمتحدثين من أساتذة العراق، سنة وشيعة وغير مسلمين، ويراهم يتحدثون بلسان عربي واحد بعيد عن الانتماء العرقي أو المذهبي أو الديني فإنه لا يشك لحظة بصحة ما كانوا فيه سابقا قبل المؤامرة وباطل ما هم عليه اليوم ونتائج تلك المؤامرة.
نرى في هذا الجانب كيف عمل الاحتلال ومن جاء معه على تدمير العقل العربي العراقي قبل كل شيء، وكيف تم استنزاف العراق من عقوله بقتل العلماء وملاحقتهم وإجبار الآخرين منهم على مغادرته والذهاب إلى الغرب جاهزين منتجين وليسوا بعالة عليه، ويفهم من كل ذلك أنه لا علاقة للنظام أو السياسة بما حدث في العراق منذ العام 1991 بل هو هجوم متكامل على الأمة يمنعها حتى من الحركة وليس التقدم كما يعتقد أصحاب النظرة القصيرة، والعقل العربي هنا يمثل أهمية كبرى في عملية الحركة والتطوير، بالتالي من المهم البدء فيه وشله عن المساهمة في كل ذلك، ولن يمكن شله وإعاقة عمله إلا باستنزاف العقول العلمية والفكرية من كل ذلك سواء بالقتل الجسدي أو القتل الإنتاجي عن طريق إبعاده عن ساحته الحقيقية، أي العراق والوطن العربي.
حديث الأساتذة العراقيين الذين شملهم التحقيق يبعث على الحزن والأسى على الحالة التي وصل إليها العراق في هذا المجال، وهم من كانوا في نفس الموقع قبل الاحتلال وعاشوا تجربة التعليم في تلك الفترة، بل حديث الطلاب يوحي بكل ذلك مع أنهم لم يروا الماضي ويعيشوه ولكنهم يعيشون الواقع المر الذي عليه التعليم في العراق اليوم.
ليس الغرب هو المجرم الوحيد الذي أجرم في حق التعليم والعقل العراقي، ولكنه معه وبالتقاء المصالح كان لإيران دور قد يفوق دور الغرب، وهي التي كانت تبحث بالاسم عن العقل العراقي لتعمل على تصفيته ووصل بها الحال لاصطياد كل ما أنتجه التعليم في العراق كالطيارين على سبيل المثال لا الحصر مع أن هؤلاء الطيارين يحتاج الوطن لوضعهم على طريق الانتاج الوطني إلى سنوات طويلة، وكان الذراع الإيراني في ذلك وبالإضافة لأجهزتها المخابراتية، كان لديها من يحمل الجنسية العراقية مقرونة بالهوى الإيراني الفارسي.
كنا نتمنى أن يكون هناك دور للعرب في الحفاظ على العقل العراقي والاستفادة عربيا من هذا المخزون العراقي والاستفادة من التجربة العراقية في مجال التعليم وهي التجربة المخزونة في العقول العراقية التي صفيت أو هجرت قسرا، ولكن ذلك لم يحدث للأسف الشديد وكانت الإرادة العربية هنا إما غائبة أو مغيبة أو خائفة.
العراق قبل الغزو كان يتربع على قمة الدول العربية في مجال التنمية البشرية ولكنه وصل بعد الغزو وبالنفس الطائفي إلى أدنى درجة، وكانت نسبة الأمية هناك صفرا تقريبا قبل الغزو ولكنها تجاوزت الخمسين في المئة بعده مما يعني أن نصف الشعب العراقي يعيش الآن في حالة من الجهل التعليمي، وكل ذلك يحدث بفضل من أمسك ويمسك بزمام الأمور، بل وصل الأمر إلى أن تكون البعثات التعليمية في يد رئيس الوزراء وليس وزارة التعليم والسبب في ذلك واضح وليس بحاجة لأي تعليق.
ولكن للأسف يجيء الدور الآن على سوريا لوضعها على نفس الطريق الذي سار عليه العراق... أليس كذلك... الله أعلم.