محاولة وضع المقارنة بين الماضي والحاضر ليست قدحا وذما للحاضر أو نكرانا له، وفي نفس الوقت ليست تعلقا بالماضي واستذكارا عاطفيا له، فذلك الأمر على الجانبين يدفع للتواكل والكسل والتوقف عن العمل والتفكير، ولكن حين نكتب عن أمر مضى فإننا نود إعمال التفكير في الكثير من الأمور في واقعنا الحالي ومعرفة الطريق الصحيح للتعامل مع القضايا المعاصرة بناء على ما عرفناه تاريخيا في قضايا مشابهة، سواء التاريخ البعيد أو التاريخ المعاصر، لا يهم، المهم الفكرة والنتيجة.
في هذا السياق نود أن نلقي نظرة سريعة على إسلام منتصف القرن الماضي، ولنكون أكثر دقة، فهم الإسلام والعمل من خلاله خلال فترة المد القومي وبالتحديد خلال الفترة الناصرية، لو سمح لنا بإطلاق هذا الاسم عليها ونسبتها إلى عبدالناصر نفسه.
لا يوجد تمييز بين إسلام حقبة ما وحقبة زمنية أخرى، فالإسلام واحد على مر القرون ومنذ نزول الوحي على المصطفى عليه الصلاة والسلام، هذه حقيقة يعرفها كل مسلم، ولكنه وللأسف الشديد لا يتعامل بها في مجرى حياته، والتمايز الذي نتحدث عنه هو فهم المختلفين للدين الحنيف وتعاملهم على أساس هذا الفهم، ليس أكثر من ذلك، لذلك قلنا إسلام الستينات والخمسينات من القرن الماضي وإسلام الوقت الحاضر.
إبان فترة حكم عبدالناصر وبعدها وحتى اليوم استند الكثيرون في نقدهم وتجريحهم للرجل على أساس انه كان بعيدا عن الإسلام وحارب من يسمون أنفسهم بالإسلاميين، وبالتحديد جماعة الإخوان المسلمين التي تكشفت حقيقتها مؤخرا بعد وصولها للحكم مما يعفينا من الدخول في أسباب الصراع بين نظام عبدالناصر وجماعة الإخوان المسلمين، ومع ذلك اضطرت هذه الجماعة للتمسح بفترة حكم عبدالناصر من خلال ممثلها في الحكم “محمد مرسي” الذي أجبر على كيل المدح لفترة حكم عبدالناصر في بعض المواقف لأنه رأى انه سيكون معاكسا لإرادة الجماهير وفهمها لو قال عكس ذلك حينها فآثر استخدام التقية السياسية في بعض المواقف ليتفادى نقمة الجماهير العربية في مصر وغيرها.
إلا أن المهم والحقيقي هنا أن عبدالناصر لم يتحدث ولم يعمل بقشور الدين أو ما تم إدخاله بعد غياب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وحسب فهم رجال آخرين أتوا بعد ذلك وعلى مدار التاريخ الإسلامي من الذين يمكن أن تكون قد تنازعتهم أهواء ومصالح كثيرة، وبعضهم اضطر لتفسير الدين مرغما على حسب اهواء الحكام، لذلك تم تحميل الدين بما ليس فيه بل يمكن في بعض الأمور أن يسيء إليه ويشوه هدفه الإنساني السامي، “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون”، فالحق هنا يحدد مهمة الدين والإنسان على الأرض والتي لم يعرفها الملائكة حينها، بل هي التي حورها الإنسان نفسه بإدخاله أمورا في الدين الإسلامي مما ليس فيه حسب الفهم والأمزجة.
ما نقوله هنا وبحق حسب فهمنا وقراءتنا إن عبدالناصر في وقته حاول وعمل على تطبيق حقيقة الدين والسير على أهدافه ذات الطابع والفهم الإنساني الذي يبني الدين ويخدم الإنسان وعلى العكس من أولئك الذين حاربوه باسم الدين وبفهم بعيد عن جوهر هذا الدين، لذلك لم نر في ذلك الوقت ما نراه حاليا من أعمال إرهابية تنسب جورا وبهتانا للدين الذي هو بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
بل في تلك الفترة نال الدين الإسلامي في مصر بالذات ما لم ينله في أي وقت بعد ذلك وانتشر من خلالها في شرق الأرض وغربها وبصورته السمحة المتسامحة وليس القاتمة المتزمتة، البانية وليس الهادمة، المحفزة للإنسان وليس المنفرة له، ولكن بعد ذلك انتشرت الأفكار البعيدة عن الدين وبدعم من النظام العربي الذي احتضن ذلك حبا في الذات وليس حبا في الغير، وتفاعلت عناصر كثيرة أخرجت لنا ما نراه اليوم في الوطن العربي الكبير من قتل باسم الدين وإرهاب متقمص للدين ونبذ للآخر تحت ذريعة الدين... يتبع.