العدد 2175
الأحد 28 سبتمبر 2014
الفرد والأمة والعلاقة بينهما أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الأحد 28 سبتمبر 2014

يرى الكثيرون أنه من غير الممكن أن يكون للفرد تأثير في حياة الأمة أو في  تحديد مسار المجتمع مهما علا قدره او ارتفعت مكانته، مع أن هناك من يرى عكس ذلك ويعتقد ان للفرد دورا مهما في مسار تاريخ الأمة، أية أمة، ويسرد الكثير من الأمثلة على ذلك، فللفرد قيمة لا يمكن تجاهلها والبعض منهم لديه القدرة على دفع الجماهير للعمل معه على ذلك التغيير، وبدون وجود اولئك الأفراد ما كان لذلك التغيير أن يتم بحال من الأحوال.
ربما تختلف انواع أولئك الأفراد وفي سبب قدرتهم على التغيير والأسلوب الذي يتبعونه من اجل رسم التاريخ وإحداث ما يرونه من تغييرات مجتمعية وسياسية، فبعضهم يملك الكاريزما الشخصية التي تدفع بالآخرين لاتباعه والقدرة الفردية على إقناع البشر من حوله بما يراه صحيحا، والبعض الآخر قد يكون يملك القوة المادية التي ترهب البشر وتجبرهم على عدم معارضته في التغيير الذي يريد، وفي كلتا الحالتين يكون البشر اداة التغيير ورسم التاريخ، في الحالة الأولى تكون القناعة المترسبة لديهم هي الأساس في اتباع الخط الذي يريده القائد ذو الشخصية الكاريزمية، وفي الحالة الثانية يكون الخوف على الذات أو المصالح هو الدافع للسكوت على التغيير المطلوب حتى وإن كان ذلك التغيير على عكس مصالح الأغلبية والأمة.
الأمثلة على الحالة الأولى محدودة، ولكن في العصر الحديث يبرز اسم عبدالناصر كأحد أهم من استطاع رسم مسيرة تاريخية ووضع التغيير الذي قاد أمته على خطه وبإرادتها وموافقتها دون إجبار أو خوف من جانب البشر فعمل على وضع اللبنات الأولى لرسم مستقبل الأمة وكان أساس التقارب بينه وبين الأفراد هو الالتقاء على مصالح الأغلبية وتوافق الإرادة بين الجانبين، لذلك لم تستطع القوى المناهضة لذلك التغيير أن تؤثر أو تمنع التقدم بسبب وجود حوائط صد جماهيرية التقت مع قيادتها على الهدف، لذلك استطاعت هذه القيادة أن ترسم مسارا لتاريخ الأمة متوافقا مع مصالحها وخاضعا لإرادتها.
أما الأمثلة على الحالة الثانية فهي كثيرة ومتعددة في أمتنا ولكن في العصر الحديث نراه في من خلف عبدالناصر وأتى بعده سواء كان السادات أو مبارك، لا يهم، فقد استطاع هو الآخر أن يرسم خريطة أخرى لتاريخ الأمة ولكنها خريطة مناقضة للأولى، وفي هذه الحالة لم تكن الإرادة الواحدة المتوحدة بين القيادة والأمة والتقاؤها الأساس، ولم تكن المصالح عند الأغلبية الهدف عند القيادة، لذلك كان الخوف والرهبة هما اللذان منعا الأغلبية من مناهضة إرادة القيادة، فرسمت تلك القيادة مسارا لتاريخ الأمة مناقضا لإرادة الأغلبية ومعاكسا لرغبة الأمة وفي غير مصالحها.
مناسبة الحديث هو تاريخ الثامن والعشرين من سبتمبر والذي يمثل الذكرى الرابعة والأربعين على وفاة عبدالناصر رحمه الله، وهي ذكرى تجعلنا مجبرين على الحديث عنها ليس لشخص عبدالناصر فقط، ولكن بسبب الوضع الذي انحدرت إليه أمتنا بعد وفاته وهي الأمة التي كانت لها قيمة تستحقها في حضوره بسبب سياساته ومعها الارتباط الذي كان بينه وبين جماهير الأمة، وهذه الذكرى تدفعنا للتساؤل عما كان يمكن أن نكون عليه وتكون عليه أمتنا العربية لو سار من خلفه على نفس دربه وأكمل ما بدأه، فهل ستكون الصورة مختلفة عما هو عليه الحال الآن أم لا؟ فلو عمل السادات ومبارك على تأكيد المنجزات التي بدأها عبدالناصر فإن أمتنا حتما لم تكن لتصل إلى ما هي عليه الآن، ولن تكون مصر بحاجة إلى دعم من الغير مهما كان ذلك الغير لأنها ستكون في وضع مغاير لما هي عليه اليوم، ولم تكن هذه الحروب الداخلية بين مكونات الأمة لتحدث، ولم تكن الطائفية المقيتة ستسود السياسة العربية في قمتها وقاعدتها، ولم تكن أمتنا ستتمزق ويعيث في أراضيها أعداؤها فسادا وإفسادا، فكل تلك الأمور كانت بعيدة عن أمتنا في تلك الفترة لأنها كانت متوافقة مع قيادتها على أهدافها الشعبية والقومية، وعلى العكس من ذلك نرى الحال اليوم.
مجرد خيال يحق لنا أن نسرح فيه لأنه الباعث على الثقة في أمتنا وفي أنفسنا وفي قدرتنا على التغيير والفعل الإيجابي الذي غبنا عنه كثيرا...  والله أعلم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .