كم هو محزن جدا أن نرى سقوط عاصمة عربية أخرى بعد بيروت عام 1982 على يد العدو الصهيوني ثم الكويت عام 1990 بيد عربية للأسف ثم بغداد عام 2003 التي عاد بها الاستعمار الغربي للوطن العربي ثم نصل إلى صنعاء هذا العام 2014 بيد جزء من أبنائها ممن تحجج بحجج لا أساس لها وتَغَطَّى بأهداف وطنية بعيدة عن الفعل الحقيقي على الساحة، وهو ما يعني أن العواصم العربية غدت مستباحة للغير ولا تجد من يمنع سقوطها، بل الأدهى من ذلك والأمر أن سقوط هذه العواصم يتم بمباركة عربية حتى وإن كان الاحتلال ليس عربيا أحيانا أو في الأغلب، نحزن أن نرى صنعاء تسقط بهذه السهولة وذلك الغموض غير الطبيعي وغير المفهوم، ومع أننا لا نرغب في الحديث الطائفي الذي لم يكن متواجدا في السابق ثم أصبح الأساس الآن، إلا أن هذا هو الذي يحدث وأصبحت الطائفية من حولنا أساس جل الأعمال السياسية وغير السياسية، وهو ما يعني التمزيق الفعلي والعملي للأمة كما يحلم أعداؤها.
سقوط صنعاء بهذه الطريقة الغريبة يجعلنا نتساءل عن علاقة ما حدث في اليمن وما يحدث حوله في الإقليم وما الذي يخدم الآخر، ولماذا يصمت العالم أجمع على ما يجري بالرغم من وجود ممثل للأمم المتحدة وأمينها العام في اليمن يتحرك كالنحلة من أجل إيجاد (حل للأزمة) ولكن رؤساءه صامتون لا يتحدثون عن الحل المنشود ولا نتائج ما وصل إليه هذا المبعوث الأممي ولا رفض الحوثيين ومن معهم الخضوع لهذا الحل، بل يؤجلون التوقيع عليه ساعات وحتى سقوط صنعاء بهذه الطريقة الدراماتيكية الغريبة، هذا العالم الذي تحرك بصورة مفاجئة وجماعية لمحاربة «داعش» كما يدعي، لم يتحدث عن صنعاء وكأن صنعاء ليست عاصمة عربية وبغداد المحتلة أهم منها في الوقت الراهن، لذلك نريد معرفة علاقة هذا التحرك شمال الجزيرة العربية بالسكون في جنوبها، وعندما يحاول المرء البحث عن معلومة واحدة حيال هذا الأمر لا يجدها بل كل ما لديه هو المحاولة في الربط والتحليل لعله يصل إلى شيء يساعده على الفهم والمعرفة الممنوعة كغيرها من المعلومات والحقائق في منطقتنا.
كيف ستكون الصورة بعد أن يتمكن الحوثيون ومن وراءهم ومن معهم من إحكام السيطرة على اليمن بكامله وتحويله لخدمة أعداء الأمة، وبعد أن يتمكن الغرب من السيطرة على المنطقة التي يٌدَّعَى أن «داعش» تحتلها وجعل تلك المنطقة بمثابة الخنجر في جسد الأمة، وما هو مصير من قام بالثورة في اليمن والعراق على النظامين فيهما، فهل ما يحدث هو حرب على هاتين الثورتين أم هو تهيئة الوضع وتمهيد الأرضية لضرب قوى أخرى من أجل وأد أي تحرك مستقبلي وتمزيق الوطن الممزق في الأساس؟ ثم لماذا هذا التحرك السريع من دولنا الخليجية لدعم التحرك الأميركي في العراق وسوريا ودعم النظام في العراق ويتركون اليمن التي أدخلوها سابقا في هذه الدوامة دون موقف مساند للشعب اليمني؟
داعش ذات النشأة الغريبة تواجدت في سوريا طويلا واستنفذت الكثير من مهامها بمحاربة الثورة الشعبية السورية ولم يتحرك أحد لمواجهتها قبل الآن، وتنظيم الحوثيين عاث في الأرض اليمنية فسادا لسنوات وتمت محاربته والحديث عنه طويلا قبل ذلك، ثم فجأة انقلبت الصورة في الحالتين، فقد بدا العالم بمحاربة داعش المسكوت عنها سابقا والسكوت عن الحوثيين الذين حوربوا سابقا، ولا نسمع غير الكلام بحق اليمن والفعل بحق العراق وسوريا... سبحان الله.
لقد بدأت الصورة تكتمل بما حدث في اليمن وسيحدث في أرض الرافدين وتشكيلها سيتم قريبا لنرى حصارا قائما لدول وقياما لقوى أخرى في المنطقة، ولكن المهم في ذلك ان هذا الحصار وتلك القوى لن تكون في صالح الأمة العربية وسنعود بعد ذلك للبكاء على اللبن الذي سكبناه بأيدينا... والله أعلم.