تمر اليوم الذكرى السابعة والأربعون على النكسة كما أطلق عليها عبدالناصر حينها وهي الهزيمة المدمرة لثلاثة من أقوى الجيوش العربية في ذلك الوقت عندما اكتملت المؤامرة ودمر العدو الصهيوني - وهو لم يكن وحيدا في حقيقة الأمر - جيوش مصر وسوريا والأردن في ستة أيام بدءا من الخامس من يونيو 1967، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها أو التنصل منها، وهي حقيقة مازالت جوانب كثيرة منها حبيسة الأدراج بالرغم مما ظهر منها من معلومات تضع الولايات المتحدة ورئيسها حينذاك “ليندون جونسون” محل اتهام مباشر بالمشاركة في العدوان على الدول العربية.
المهم من كل ذلك أن تلك الهزيمة بالرغم من شدتها وقساوتها على الشعوب العربية وعلى زعامتها – ونعني عبدالناصر – بالرغم من كل ذلك لم تدفع بالأمة إلى الاستسلام أو الخنوع وهو الهدف من ذلك العدوان بالأساس، ولكنها كانت دافعا قويا للعودة من جديد وتصحيح الوضع، بل كانت عاملا زاد من إصرار الشعب العربي وقيادته على التمسك بثوابت الأمة وحقوقها في أرضها الفلسطينية والنتيجة تمثلت في حرب أكتوبر 1973، الحرب التي لم تنتج بانتصار الجيش العربي موقفا عربيا سياسيا قوميا صحيحا كما أنتجت هزيمة الجيوش العربية في 67.
المهم من كل ما سبق قوله أن هذه الذكرى تعود اليوم بصورة مغايرة ومخالفة لعودتها طوال الأعوام الكثيرة السابقة، بإحساس مشابه سياسيا لما كان عليه الحال نهاية الستينات، إحساس يتمثل في الشعور بعودة الروح إلى الجسد العربي بعد أن وضع في الثلاجة وتم تجميده عقودا من الزمن، شعور بأن هناك إرادة شعبية حقيقية تجول في الشارع العربي وتحدد ما تريد وفي أحيان كثيرة تفرض ما تريد كما فعلت في مارس 1968 في مظاهرات الطلبة في مصر.
تعود هذه الذكرى مع عودة بوصلة السياسة والإرادة العربية إلى الإشارة في الاتجاه الشعبي الصحيح خصوصا بعد انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة التي أفرزت بعضا من تلك الإرادة، تعود لتقول لكل من حاول تزييف التاريخ العربي كجماعة الإخوان والرأسمالية المستغلة – بكسر الغين – أن للحقيقة وجها واحدا، لذلك نجد أن هذه الذكرى تعود ومعها الفكر والعزيمة وليست الهزيمة التي سجد الإخوان لحدوثها في نوع من العداء للشعب المصري والأمة العربية والترحيب بهزيمة قوته العسكرية، العزيمة التي كانت مسيطرة منتصف القرن الماضي وحتى بداية السبعينات، فحين يشبه الكثيرون الرئيس المصري الجديد، وأعني به الرئيس عبدالفتاح السيسي، بعبدالناصر، فإنهم لا يعنون الشخص بقدر ما يهدفون إلى العمل والانتماء، العمل من أجل الشعب والأمة في مجملها، والانتماء للطبقات الشعبية المحرومة وليس غيرها.
نتمنى أن تستمر البوصلة العربية كما نراها اليوم في الذكرى السابعة والأربعين لنكسة 1967، بوصلة متوجهة باستمرار للمواطن العربي وأهداف الأمة العربية وليس للبيت الأبيض أو بروكسل، بوصلة تحدد القيمة الحقيقية للإنسان العربي الذي نزعت منه هذه القيمة طوال العقود الماضية، بوصلة متجهة للداخل ليس للخارج، ونتمنى أن تنعكس هذه البوصلة والرؤية لبقية أقطار الأمة العربية التي مازالت أجزاء منها غائبة عن الوعي وتائهة عن الوجهة الصحيحة وترى عكس الصورة التي عليها الشارع العربي.
لأن فوز الرئيس السيسي وبهذه النسبة الساحقة والاحتفالات التي عمت القطر المصري بإعلانها تعني أن الشعب العربي يرفض بشدة ما كان سائدا قبل ذلك ويرسل إشارة قوية للغير ليفهموا كيف يفكر الإنسان العربي، إن أرادوا أن يفهموا... والله أعلم.