في المجتمعات المختلطة كمجتمعنا ربما تكون المقاطعة سيفا ذا حدين قد يفيد أحيانا وقد يضر أحيانا أخرى، إلا أن مضرته كما يبدو أكثر وأوقع كما رأينا في انتخابات 2002، مع أن المقصود بالمجتمعات المختلطة لا يعني بالضرورة التقسيمات المجتمعية الإثنية أو الدينية وغيرها فقط من التقسيمات المشابهة، ولكنه بالإضافة إلى ذلك يعني التقسيمات المجتمعية السياسية معها، فانعزال جهة أو تيار عن المشاركة بصورة من الصور يؤدي إلى خسارة هذا التيار فترة معينة من ذلك العمل، وخسارته لوجود تأثير محدد لما يراه ويعتقده في القضايا العامة المتداولة.
لا أريد في هذه الزاوية تبرير أو تفنيد الموقف التي اتخذته الجمعيات الخمس مؤخرا حول الانتخابات القادمة، فالإخوة في تلك الجمعيات ربما يرون أمور معينة تعيق وصولهم أو وصول ممثليهم للبرلمان بالصورة الطبيعية والمعبرة عن المجتمع، خصوصا أن الحوار الأخير فشل في الوصول إلى حل واضح لما نحن فيه من إشكال سياسي اجتماعي وفي ظل عدم وجود حوار حقيقي حاليا بالرغم من التصريحات غير المنطقية التي تنشرها وزيرة الإعلام المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء بين الحين والآخر حول اللقاءات الثنائية، فما نعلمه أنه لا توجد اتصالات ولا حوارات ثنائية أو جماعية وإنما الوضع لا زال مجمدا (حسب علمنا على الأقل) وكما هو منذ يناير 2014، ولكن ما أود قوله إن موقف هذه الجمعيات واضح للجميع وعلني وهو ما يحسب لها. المشكلة تكمن في أطراف الحوار الأخرى أو ما يفترض أن تمثل أطراف أخرى على الطاولة، فهذه الأطراف حتى الآن لم تحدد موقفا واضحا وموحدا وعلنيا حول القضايا العامة ومنها الانتخابات القادمة ربما لوجود تباين في الفهم والأولويات عندها وما هو أولا أو ثانيا أو ثالثا وكأنها تتبنى مواقف لحظية قصيرة المدى تبعا لمتطلبات القضايا المطروحة, أو تكون في إطار البحث عن أمور محددة تريدها سرية في الوقت الراهن.
الأهم من كل ذلك أن المشاركة في الدورة القادمة نعتقد أنها مهمة وضرورية والدليل عليها هو حالة البرلمان الحالي والصورة غير المطلوبة وغير الصحيحة التي يراها الجميع والتي منها عدم قدرته على التعبير الحقيقي عن هموم المجتمع والمواطن وعدم ممارسة أعضائه للأدوات البرلمانية المقررة لهم، ومع ذلك نرى إصرار غير منطقي من أطراف كثيرة (ولكنها ليست أغلبية) على استمرار تقسيماته الحالية أو حتى السابقة بالرغم من التغييرات التي شهدتها الساحة العربية والإقليمية مؤخرا، وكأنّ هذه الأطراف تريد السير على عكس التيار الشعبي والوطني والقومي. البرلمان الحالي وسابقوه يحمل صفة مهمة لا يريد رؤيتها أو يتغاضى عنها كثيرون عندنا، وهي سمة الضعف وعدم القدرة على الفعل وعدم الفهم للقضايا الوطنية وعدم القدرة على بناء حالة سياسية وطنية صحيحة، والأخطر من ذلك هو الانحدار المتواصل للقدرة التي يتمتع بها البرلمان المنتخب عندنا وكأننا في حالة هبوط وليس صعود (والدليل على ذلك ما هو متداول حاليا)، ولا نريد الدخول في الأسباب فقد تناولناها كثيرا في السابق ولكن أهم هذه الأسباب (أسباب الضعف) هو تحديد أبواب خاصة لدخول البرلمان وإغلاق باقي الأبواب، والمقاطعة كما نراها هي مساهمة في إغلاق جانب من تلك الأبواب، مما يدفع بنا للقول بأن المقاطعة التي تحدث عنها الإخوة في الجمعيات الخمس تمثل خطأ سياسيا بالرغم من كونه كما يرى الكثيرون أداة ضغط سياسي يراد بها التعجيل في إيجاد حل للإشكال السياسي المجتمعي الحالي.
ما نفهمه أن غياب مكونات أو تيارات سياسية معينة أو جزء كبير من تلك التيارات يؤدي حتما إلى تعميق الجرح الذي عليه البرلمان ويغيب جزءا كبيرا من المطالب الشعبية ويمنع من إثراء التجربة البرلمانية والسياسية ويؤدي في نهاية الأمر إلى تمثيل غير حقيقي للمجتمع وعدم عكسه للصورة الحقيقية التي عليها هذا المجتمع، كما هو عليه الحال الآن، وهو ما يدفع بنا لمخاطبة الإخوة بأن عليهم إعادة النظر في الموقف الحالي الذي أُعْلِنَ مؤخرا وتعميق دراسته للوصول إلى موقف أكثر وطنية، حتى لو كنا نختلف معهم في الكثير من المواقف والأطروحات، ولكن الوطن أهم من كل ذلك... والله أعلم.