منذ حوالي ثلاثين عاما كتب الدكتور عصمت سيف الدولة في أول سطور كتابه عن العروبة والإسلام ما نصه (في الوطن العربي طائفتان اختلفتا فاتفقتا. طائفة تناهض الإسلام بالعروبة وطائفة تناهض العروبة بالإسلام. فهما مختلفتان. وتجهل كلتاهما العروبة والإسلام كليهما فهما متفقتان. وإنهما لتثيران في الوطن العربي عاصفة غبراء من الجدل تكاد تضل الشعب العربي المسلم عن سبيله القويم. وإنهما لتحرضان الشباب العربي على معارك نكراء تكاد تلهيه عن معركة تحرير أمته).
هذا ما قاله الدكتور عصمت سيف الدولة في معرض تحليله للصراع القائم بين ( القوميين ) و( الإسلاميين! ) وهو الصراع الذي احتدم بعد الهجوم الشرس الذي شنه النظام العربي منذ العام 1971 ضد الفكر القومي واستعان في هجومه بتيار الإسلام السياسي أو المتأسلم ومعه جميع الأسلحة التي سخرها له الغرب، ومن أجل التكبير لو قلصنا زاوية الرؤية في هذه اللوحة التي رسمها سيف الدولة للوضع العربي ونظرنا من هذه الزاوية للوضع المحلي منذ بداية القرن الحالي وحتى الآن لرأينا المشهد يتكرر في الحراك السياسي المحلي في جميع وجوهه سواء في الشارع أو في المؤسسات السياسية، لا فرق، فمشهد التطرف مهيمن على هذه الساحة ويعيق أي تطور تتطلبه الساحة والوضع المحلي ويمنع أي تقارب يمكن أن يحدث بين الأطراف المختلفة.
ما يبدو لمن يتابع أن التطرف يهيمن على الساحة السياسية المحلية ويقود من خلاله حملة هذا الفكر المتطرف العمل السياسي وبه يختلقون صراعا ليس له أن يوجد، بل هو صراع مفتعل لا علاقة له بالوطن ولا بالمواطن، بل هم بتطرفهم يمنعون أي صوت معتدل أو يحجبون أي توجه لحل ما تموج به الساحة المحلية من خلافات، فعلى جناحي الخلاف يمسك أولئك المتطرفون بالبوصلة سواء كانوا في الجمعيات السياسية التي نشأت بداية القرن أو داخل الساحة البرلمانية أو حتى في الشارع السياسي، ففي كل جناح يتواجد تطرف يرى في ذاته الحق والحقيقة ويعتقد بصواب رأيه دون غيره، وينقاد له شارع غيبته أفكار أولئك المتطرفين، وإن كان التطرف الذي تحدث عنه الدكتور عصمت سيف الدولة هو بين تيارين مختلفين أيديولوجيا ويمثلان فكرا قوميا وفكرا يظن في ذاته أنه يستند إلى الدين فقط أو أنه يمثل الدين، إلا أن التطرف الذي نتحدث عنه يقبع داخل تيار الإسلام السياسي نفسه بشقيه السني والشيعي.
ليس المقصود هنا الصراع بين المذهبين أو الخلاف بينهما وهو خلاف مستمر منذ أربعة عشر قرنا من الزمان وقد لا ينتهي مع أنه لا يمنع العيش المشترك بين أصحابهما، ولكنه صراع يفتعله المتطرفون من الجانبين وليس المنتمين للمذهبين ويصلون به إلى منع العيش المشترك، والفارق كبير بين الحالتين، ويريدون أن يجروا الجميع إلى هذا الصراع العنيف، وهو ما يعني أهمية أن تعلو أصوات أخرى غير أصوات هؤلاء المتطرفين لتجنب تفتيت الوطن وجره إلى الهاوية، أصوات ترى الحقيقة كما هي والمستقبل كما يجب أن يكون وليس الحقيقة التي يصطنعها المتطرفون والمستقبل الذي يريدون الاستفراد به دون الغير، أصوات ترى المجتمع من خلال زاوية واسعة تضم الجميع وليست زاوية ضيقة جدا ومرآة لا ترى غير الذات.
لقد ابتلي المجتمع السياسي بعدد من التيارات السياسية التي تنتمي لذلك الفكر المتطرف مع أن القانون يصل إلى منعها من العمل ومع ذلك تعمل بحرية مطلقة، بل تحظى بالرعاية الكبيرة، وتمنع هذه التيارات المجتمع من الجنوح للاستقرار وتحارب بعضها بعضا وتجر الآخرين إلى هذه المعارك ولا نعلم إلى متى ستستمر على هذا النهج وإلى متى ستستمر في العمل وإلى متى يسكت عنها القانون... الله أعلم.