حين تختلط الفلسفة بالشعر يعلو مقام الشاعر وأبياته الشعرية ويستطيع التعبير الحقيقي عن الواقع الإنساني، وتكون الأبيات الشعرية التي يكتبها مجسدة لحكمة تعبر تعبيرا دقيقا عن الواقع والنفس الإنسانية ومعاناتها، وتضع تلك الأبيات ذاتها في مصاف الأدب الخالد المتجدد، ومن هؤلاء الشعراء قرأنا منذ سنوات قصيدة الشاعر العربي محمد صالح بحر العلوم التي أسماها “أين حقي؟” وتقول في بدايتها:
رحت أستفسر من عقلي وهل يدرك عقلي
محنة الكون التي استعصت على العالم قبلي
أَلِأَجْلِ الكون أسعى أنا أم يسعى لأجلي
وإذا كان الحق لكلٍ فيهِ
أين حقي؟
هو الحق الذي تتحدث عنه تلك القصيدة في جميع مقاطعها، الحق الضائع من الإنسان الباحث باستمرار عن حقوقه المهدورة، الحق الذي ظن الإنسان والمجتمع الإنساني أنه قادم ومتحقق بالتحولات الديمقراطية التي شهدتها الإنسانية منذ القرن الثامن عشر، الحق الذي ظن الكثيرون أنه متحقق بسيادة القانون، الحق الذي اعتقد الإنسان أنه متجسد في المؤسسات الشعبية التي يشكلها من شاكلة المجالس البرلمانية المنتخبة والتي تمثل أحد نواتج التحول الديمقراطي البشري منذ أكثر من قرنين من الزمان، وهذا يضع سؤالا كبيرا أمام الإنسان العادي والطبيعي عن صاحب الحق... من هو؟
كل إنسان يرى أن له حقوقا غير متحققة.. أو حقوقا مغتصبة أو منتهكة أو مسلوبة من قبل الغير، ويعجز في الكثير من الأحيان عن السير في الطريق الموصل لتلك الحقوق أو القادر على استرداد ما ضاع منها أو سلب أو انتهك، لا يهم... المهم هو عودة تلك الحقوق بأية صورة من الصور ولكنه يرى مسالك متعددة توصل إلى تلك الحقوق وهو عاجز عن السير فيها أو ربما يختار طرقا أخرى تساهم في تغييب ما له من حقوق وكأنه باحث عن سراب كلما اعتقد أنه واصل إليه يجده يبتعد.
ربما أحد أسباب ضياع تلك الحقوق أو عدم تحققها يكمن في إيكال الأمر إلى غير أهله وهو أمر شائع عندنا وعند غيرنا تتداخل فيه عوامل كثيرة لا يكون حق الإنسان من بينها، بل يكون أبعد الأمور عنها، هذا الإيكال يعني وجود من لا تعنيه حقوق الغير أو من لا يفهم تلك الحقوق فيمثل وجوده بالتالي في المواقع المختلفة والمعنية بحقوق البشر، يعني هدرا لتلك الحقوق.
وربما يكون من تلك الأسباب كذلك غياب الوعي عند صاحب الحق وهو الإنسان بالوسائل المناسبة للوصول إلى تلك الحقوق وأحيانا يتم تغييب ذلك الوعي من قبل الغير القادر على إدخال الوهم إلى عقل الإنسان فيدفع به للسير في طريق آخر غير طريق الحق ونعني بذلك الديمقراطية الشكلية التي تستخدم أحيانا كثيرة من قبل السلطات بالذات لتزييف الإرادة الإنسانية، ليكون بذلك السبب في غياب حقوق الإنسان هو الإنسان نفسه.
وليكون الأمر أكثر وضوحا يمكن إسقاط ما نقول على الديمقراطية عندنا في جزء مهم وحيوي منها وهي الإرادة الشعبية المتجسدة في صندوق الانتخاب الذي من المفترض أن يكون من وسائل التعبير عن تلك الإرادة، حيث لا تعبر نتائج الصندوق عن حقيقة الإرادة الشعبية، مما يجعل الجهة الناتجة عن تلك الإرادة غير مؤهلة ولا قادرة على تحقيق تلك الإرادة وبالتالي المساهمة في التعبير عن الحق الإنساني الذي نتحدث عنه.
هذا الصندوق يخرج لنا شكلا مهلهلا لمجلس منتخب يفترض به العمل على تحقيق وتجسيد حقوق المواطن ولكنه للأسف الشديد يتحول إلى جهة مساهمة في تضييع تلك الحقوق، والأسباب في ذلك كثيرة، يتمثل أحدها في عدم تطابق الإرادة الشعبية والنتائج الصادرة من ذلك الصندوق سواء بالتدخل غير المباشر من قبل السلطة فيه أو نتيجة تغييب الوعي الإنساني وتحويله إلى وعي مسير وليس مخيرا كما أراده الخالق سبحانه وتعالى... وهذا أمر بحاجة إلى المزيد من التوضيح نأمل أن يتسنى لنا ذلك مستقبلا... والله أعلم.