جرت انتخابات الرئاسة الجزائرية منذ أيام ولكن لم نسمع من يتحدث عنها إلا القلة القليلة من المثقفين الذين يتابعون الشأن العربي أو بعض المتخصصين فيه، وبالرغم من أحداث سوريا الدموية منذ ثلاث سنوات وحتى الآن لا نجد من يتحدث عن انتخاباتها الرئاسية القادمة مع أن الرئيس السوري الحالي “بشار الأسد” هو المرشح الرئيسي وربما الوحيد فيها، عموما انتخابات رئاسية وبرلمانية كثيرة ومتعددة تجري كل فترة في مناطق مختلفة من وطننا العربي ولا تجد الاهتمام الذي تلقاه الانتخابات الرئاسية القادمة في مصر العرب.
الغريب في الانتخابات الرئاسية المصرية القادمة أنها لا تلقى اهتماما شعبيا فقط، ولكنها وبالإضافة إلى ذلك عملت على تقسيم وجهات النظر داخل المنازل ذاتها وخارج مصر، فنجد من يهتم بفوز هذا المرشح وآخرين في نفس المكان ينادون أو يأملون في فوز المرشح الثاني، مع أن الجميل في الأمر أن المرشحين وطنيان ولن يختلف الأمر كثيرا في حال فوز أي منهما في مجال العمل الوطني، وربما تكون هذه أول انتخابات تجري في مصر هذا القرن ويكون الفائز فيها – أيا كان – أمرا محمودا من قبل الشعب العربي في مصر وغيرها، ولا تقف ضد هذا الأمر إلا فئتان، الأولى تمثل فئة المناهضين للمستقبل العربي من خونة الأمة ومن التيارات اللاوطنية وهم قلة، والثانية هي فئة أصحاب المصالح ممن ضربت مصالحهم تلك بثورتي الخامس والعشرين من يناير والثلاثين من يونيو وهم كذلك قلة ولكنهم مدعومون بقوى مؤثرة، لأن الرابح الوحيد من فوز أي من المرشحين سيكون المواطن العربي في مصر أولا وفي الوطن العربي بصورة عامة وذلك حسب معرفتنا المتواضعة بالمرشحين.
وقوف البعض ضد المرشحين وضد الانتخابات القادمة في مصر له دوافعه البعيدة عن الوطنية والقومية، بالتالي فإنهم لا يعنوننا في هذا المقام ولن يكون لهم تأثير على مستقبل مصر والعرب، على الأقل كما نرى ونعتقد، لأن ما يعنينا حقيقة هو الانقسام الذي تحدثنا عنه داخل البيوت وهو انقسام محمود وإيجابي ونتمنى أن يستمر في هذا الحيز لا يخرج عنه، لأن الدافع له هو الشعور الوطني والرغبة الصادقة من قبل المنقسمين في انتشال مصر مما وصلت إليه بعد السنين العجاف التي حكمها فيها حسني مبارك وقبله أنور السادات بدعم من العدو الحقيقي للأمة، وما يعنينا كذلك أن هذا الانقسام والمتابعة اليومية من المواطن العادي في وطننا العربي لما يجري في مصر حاليا هو تعبير طبيعي عن مكانة مصر العربية وفهم واقعي ومنطقي من قبل المواطن العربي في كل موقع لهذه المكانة، والأهم من كل ذلك هو أن هذا المواطن العربي يشعر في قرارة نفسه أن مصر العرب عائدة من خلال هذه الانتخابات إلى حضن أمتها الوطني، وعائدة لتستعيد دورها الريادي من جديد بعد الغياب الطويل الذي أجبرتها معاهدة “كامب ديفيد” على الدخول فيه بعيدا عن الإرادة الشعبية فيها.
نقطة مهمة رأيناها في الحوارات الجارية مع المرشحين التي نعتقد بسلبيتها، هي الموقف من تلك المعاهدة المشؤومة ورأي المرشحين فيها حال فوز واحد منهما، حيث كانت ردودهما تتسم بالدبلوماسية أو المراوغة عن الحديث عن الموقف المباشر حيالها وحيال العلاقة القادمة مع العدو الصهيوني، وهذا أمر يبعث على الريبة، وليس الشك، من الأيام القادمة، فأحد المرشحين وهو “حمدين صباحي” نعلم أنه ناضل طوال السنوات الماضية ضد المعاهدة والعلاقة مع العدو الصهيوني خلال عهد السادات وحسني مبارك ثم عهد الجماعة القصير ولكنه لم يكن قاطعا في حديثه عن العلاقة القادمة مع الكيان الصهيوني، أما المرشح الآخر “عبدالفتاح السيسي” فعمل خلال تلك الأنظمة السابقة ولا نعلم حقيقة موقفه السابق منها، وهو كذلك لم يكن قاطعا في حديثه عن مستقبل العلاقة.
هذه العلاقة مع الكيان الصهيوني تمثل مقياس لأمرين مهمين ينحصران في الوطنية الحقيقية لكل مرشح منهما، وكذلك قدرة كل منهما الذاتية على المواجهة الحقيقية مع الآخر وهما أمران واضحان وجليان تمتع بهما الزعيم الراحل جمال عبدالناصر حيث يصر المرشحان على إظهار الانتماء له... والله أعلم.