يبدو أن الدروس غير مجدية ونتائج الأفعال لا تخضع للدراسة والتحليل من أجل الاستفادة منها في توجيه القرارات المستقبلية، فمنذ سنوات خصوصا في الجانب السياسي نُواجَه بنوع من القرارات تمثل نوعا من استبداد الأغلبية ومنع الأقلية من قول ما تريد أو التعبير عن رأيها حتى لو كانت تحمل رأيا خاطئا ولا معنى له.
الاختلاف في الرأي أمر طبيعي في البرلمانات السليمة، بل الخلاف وارد في كل قضية يتم طرحها في البرلمان والحوار حولها، بل في بعض البرلمانات يصل الخلاف في الرأي إلى التقاذف بالكراسي، ومع أن ذلك أمر غير حضاري إلا أنه يحدث، ولكن أن يصل الأمر إلى العمل على إقصاء من اختلف معه كليا من الساحة والعمل السياسي والبرلماني عن طريق الأدوات البرلمانية الديمقراطية فذلك أمر غير طبيعي واستخدام سيىء لتلك الأدوات، ولا أعتقد حدوثه في أي برلمان طبيعي يضم تحت قبته أحزابا وتيارات مختلفة جذريا في الرؤى والأهداف.
قد تكون المشكلة كامنة في النظام الداخلي للبرلمان ذاته بل يمكن أن تكون هناك ثغرات في الدستور تم وضعها لهذا الهدف، ولكن ما نفهمه أن جميع البرلمانيين على درجة واحدة من المساواة، وهم جميعا نتاج إرادة شعبية، بغض النظر عن الرأي فيها، ولكنها في آخر الأمر تمثل تلك الإرادة شئنا أم أبينا، فكيف يحق لي أن أقصي من هو على نفس المستوى الذي أنا عليه لأنني أختلف معه وأريد بالتالي أن أقطع لسانه وأخرسه؟ وكيف يحق لي أن أعارض الإرادة الشعبية التي أوصلتني إلى ما أنا عليه؟
شخصيا أختلف كليا مع أسلوب النائب المقصود بالإبعاد في المسألة لتي نحن بصددها وأعني به النائب أسامة التميمي، بل أختلف معه في الكثير من المواقف والرؤى التي يتبناها، ولكن ذلك لا يعطيني الحق أن أستخدم أغلبية أنا عليها لأمنعه أو أمنع أي نائب آخر من التعبير عن رأيه أو طرح القضايا التي يراها حتى لو كانت خاطئة.
من أراد الديمقراطية وسعى لها ويصر عليها عليه أن يتحملها بكل فوائدها ومتاعبها، بكل إيجابياتها وسلبياتها، وهي ليست محلا للخضراوات أنتقي منه ما يناسبني وأبعد ما لا أحب، بل المفروض أن أعمل على تطويرها بصورة شاملة وليست انتقائية، فهناك شروط وضعت لتحديد من يحق له الانتماء للبرلمان، ولكن ليس فيها الاختلاف في الرأي مع الآخرين، وما نعرفه أن الكثير من الوزراء سخروا من أعضاء البرلمان وهزأوا بهم علنا، ولكن لم نسمع أن هذا الكم من البرلمانيين توحدوا لسحب الثقة من أولئك الوزراء... فلماذا؟ مع أن لهم الحق دستوريا في ذلك ولكنهم لم يجرأوا على استخدام ذلك الحق، فلماذا يتكتلوا الآن أمام عضو معهم في البرلمان؟.
ما نفهمه أن تجريد عضو برلماني لا يتم إلا في القضايا الوطنية الكبرى من مثل الخيانة العظمى للوطن وليس للخلاف في الرأي، ولكن ذلك تتم الدعوة له عندنا في بادرة غريبة في العمل البرلماني الديمقراطي.
في كتاب الاستبداد الديمقراطي الذي أنصح الكثيرين من أعضاء البرلمان بقراءته يناقش أمورا كهذه ويتحدث عن الاستبداد الذي تمارسه الأغلبية بحق الأقلية وهو ما نراه في هذه الحالة التي أأمل أن تنتهي نهاية تعمق الديمقراطية وتؤسس لعمل سياسي برلماني حقيقي يتحمل فيه كل عضو الرأي المضاد له من الأعضاء الآخرين دون ضغينة أو محاولة للإقصاء.. والله أعلم.