العدد 2029
الإثنين 05 مايو 2014
لسنا تابعين أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الإثنين 05 مايو 2014

أعتقد إن الإدارة الأميركية مازالت تعيش آثار حالة النشوة التي غدت عليها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي منذ أكثر من عقدين من الزمان وتفككه إلى عدة دول وتحطم الكتلة الشرقية معه وتحول جميع هذه الدول، القديمة والجديدة، إلى الغرب وتوقف الصراع أو الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية، فقد مثل ذلك الحدث نصرا مدويا للغرب الرأسمالي على الشرق الاشتراكي أو الشيوعي وهو الغرب الذي رأى في ذلك النصر هزيمة للفكر الاشتراكي من قبل الفكر الرأسمالي، مع أن هذا النصر وربما يكون وقتيا وليس حقيقيا بدليل تعرض الفكر الرأسمالي لضربة قاصمة نهاية العقد الماضي دفعت به لاستخدام أدوات اشتراكية لتفادي آثارها والعمل على حلها.
لا نريد الدخول في أسباب تلك الهزيمة التي لا علاقة لها ربما بالفكرين الرأسمالي والاشتراكي – لأن لها أسبابا أخرى عديدة - ولكن ما يهمنا في هذا المقام هي التداعيات والآثار التي تلت تلك الأحداث التي منها ما شاهدناه طوال أكثر من عشرين عاما من تفرد الإدارة الأميركية بالقرار العالمي وتدخلها في الشؤون المحلية للبلاد الأخرى، بل إن عملها أصبح علنا – بعد أن كان مخابراتيا – على تغيير الأنظمة القائمة في بلاد العالم بدءا من بولندا مرورا بأفغانستان والعراق وصولا اليوم إلى بعض الدول العربية وأوكرانيا.
بالرغم من الضعف والوهن الذي بدأت القوة الأميركية تميل إليه، إلا أن إداراتها المتعاقبة مازالت ترى أن لها الحق في فرض ما تريد على الغير وتطالبهم بأمور خاصة وكأنها البلد الوحيد في العالم الذي يملك الحق الإلهي في تحديد الحق من الباطل والصواب من الخطأ، حتى قرأنا أخيرا أنها – أي الولايات المتحدة الأميركية – ترفض وتنتقد التوجه البحريني نحو روسيا الاتحادية واللقاءات التي تمت على مستوى القيادة بينهما وقالت حينها إن المملكة تتجاوز العقوبات المفروضة على روسيا بإقامة نوع من العلاقات الاقتصادية مع روسيا، وهي العقوبات التي فرضتها أميركا وتريد من الجميع أن يُنَحُّوا مصالحهم جانبا ويسيروا في فلك الإرادة الأميركية، وكأن الدول الأخرى ليست أكثر من تابع لها ولا تملك الحق في تحديد ما ينفعها أو يضرها إلا من خلال الإدارة الأميركية.
لا تريد الإدارات الأميركية المتعاقبة فهم الآخر والإقرار بخطأ النهج الذي تسير عليه، ولا تستطيع التفريق بين ما تعتقد أنه من مصالحها وبين مصالح الآخرين ومازال غرور القوة يهيمن على القرار الأميركي، مع أن هذه الإدارات لو أمعنت النظر ودققت في ما يحدث حول العالم لأيقنت خطأ ما تقوم به هي ذاتها وليس دعوة الناس للسير في نفس المسار، فالعزة بالإثم ربما تمنع القائمين على القرار الأميركي من فهم حقيقة ما يحدث وموقف الشعوب الأخرى – عدا القاطنين في الكيان الصهيوني من مغتصبي حقوق الآخرين – وأن هذه الشعوب قد ملت من ممارسات أميركا لدور القائد الموجه والقرصان في نفس الوقت، وأن وقوف هذه الإدارات إلى جانب الظلم والظالمين في أرجاء الأرض لم يعد خافيا على أحد.
نحن جميعا نعرف الفرق بين أميركا والبحرين، سواء في القوة العسكرية أو الاقتصاد أو الجوانب الأخرى التي لا داعي لسردها، ونعرف في نفس الوقت العلاقة الخاصة بين البلدين، بل بين الدول العربية عموما والولايات المتحدة الأميركية، ولكن التاريخ علمنا أن هذه الإدارة على استعداد دائم لترمي أي نظام، عربي أو غير عربي، إلى المجهول بمجرد انتهاء منفعتها الخاصة منه إذا استمر هذا النظام في تنفيذ الرغبات الأميركية وعدم الالتفات إلى الداخل الشعبي، وما حدث في فنزويلا قبل سنين مع “هوجو تشافيز” ثم ما حدث أخيرا مع مصر خير دليل على ذلك، ونعلم في نفس الوقت أن القوة ليست دائمة بل يستنزفها التوجه الامبراطوري التي عليه أميركا حاليا.. والله أعلم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية