العدد 1888
الأحد 15 ديسمبر 2013
بعد الدعوة لتغيير التعاون إلى اتحاد (2) أحمد سند البنعلي
أحمد سند البنعلي
ومضات
الأحد 15 ديسمبر 2013

ليس غريبا ما يبدو واضحا الآن من تهديدات تطال مجلس التعاون بسبب الدعوة لتغييره إلى اتحاد سواء كانت تلك التهديدات من داخل المجلس أو من خارجه، هذا أمر طبيعي؛ لأن الخارج تتعارض مصالحه مع هذا التغيير، وهو ما تناولناه في مقال الأمس، أما الداخل فبعضه يعتقد أن مصالحه تتعارض مع التغيير وهو مخطئ في ذلك، ولكن هذا ما يحدث بسبب قصر النظر أو عدم محاولة تعميق الرؤية أو مد البصر إلى مدى أبعد أو تغليب اللحظة على المستقبل.
الدول الأعضاء يتمسك بعضها بالهوية الوطنية الذاتية أكثر من نزوعه نحو الوطنية القومية الأشمل فيما يمكن أن نسميه الخوف من التطوير أو ربما الخوف من المجهول الذي يمثله التغيير، ويخشون أن تذوب الهوية الوطنية القطرية وتنتهي بعد أن ظلت كما هي عقودا أو مئات السنين، ولهم الحق في هذا التخوف خصوصا إذا فهموا أو ظنوا أنه مع غياب الهوية الوطنية ستتضاءل معها الجوانب الشخصية والذاتية التي يمثلها الحكم في الدولة المنفردة، وتذهب المسميات والصولجانات وغيرها من دواعي التشدد في المعارضة، وهذا الحكم قد - ونقول قد - ينتهي ويتحول إلى جهة أخرى تقود الاتحاد، ولهم الحق في ذلك كذلك، وقد حدث هذا كما نعرف في تجارب كثيرة، منها تجربة الاتحاد الأميركي الذي كانت المعارضة له من قبل الولايات قد وصلت إلى رفع السلاح والدخول في حرب بين دعاة الاتحاد ومناهضيه، إلا أن المشكلة أن هذه المعارضة تأتي ضد الفكرة نفسها وليس ضد الطريقة أو الوسيلة أو الصيغة المطلوبة، خصوصا مع وجود دول صغيرة وأخرى كبيرة في المنظومة الواحدة.
هنا يأتي دور تلك الدول الكبيرة ويقع عليها عبء إدخال نوع من الطمأنينة إلى نفوس المعارضين للاتحاد، ويكون ذلك عبر الاتفاق على صيغة معينة لذلك الاتحاد تطمس بها التخوف وتبعد النزوع من الدول الصغيرة للدخول في تيار المعارضة؛ لأن الاتحاد لا يكون بالضرورة التحول إلى دولة واحدة وهو ليس كذلك، بل يكون بتشكيل دولة اتحادية أو اتحاد للدول يبقي على الكثير من الأوضاع في الدول القطرية كمرحلة أولى وتحول بعض النظم فيها إلى نظام اتحادي وتتفادى بها انتزاع المصالح الذاتية والقطرية للدول الصغيرة وتضع نظاما يجعل لتلك الدول كلمة فاصلة في أي مستقبل يراد للدولة الاتحادية فالتجارب كثيرة والأفكار أكثر والخبرات القانونية لا تعد ولا تحصى ويمكنها وضع تلك الصيغة لكي تكون مقبولة من قبل من يريد القبول أو يحمل نوع من التخوف المشروع؛ لأننا نعلم أن هناك من لا يريد الاتحاد من الأساس ولن يكون ممكنا إقناعه بالفكرة والمستقبل مهما حدث ومهما وضعت من صيغ ومهما ضاق عليه الخناق في التحاور حول الاتحاد؛ لأن المعارضة عنده مبنية على الرفض المطلق لأي توجه اتحادي أو وحدوي، لذلك من الممكن تجاوز هذه النوعية من الرافضين وتجاوز موقفها؛ لأن مستقبل المنطقة أهم بكثير منها ومن أي أثر لرفضها للمشروع.
ليست بعيدة تلك الوحدة التي تمت بين مصر وسوريا منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، وما حدث حينها يذكره الكثيرون ويعرفون أسباب الرفض لتلك الوحدة عند من رفضها وعمل على هدمها بشتى الوسائل والحيل والدسائس، حتى دفعوا بها للانهيار عن طريق من توافق داخليا وخارجيا على ذلك، ولكنهم في نفس الوقت يعلمون جيدا أن ما حدث في بداية حرب أكتوبر 1973 من انتصار كان أحد أهم أسبابه هو التنسيق الكامل بين مصر وسوريا في مجال الحرب، وهذا كله يدعو داعمي الوحدة والمنادين بها إلى الفهم بأن الاتحاد لن يكون سهلا، وأن عليهم العمل بجد من أجله؛ لأن هذا الاتحاد أكبر بكثير من نقص الفهم الذي يتمتع به المعارضون... والله أعلم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .