يبدو أن الخيارات قد بدأت تتقلص في الجلسات الحوارية والسبب البين لذلك هو العرقلة التي يضعها أحد الوفود المشاركة ونعني به وفد الجمعيات الخمس لمنع تقدم الحوار في الطريق المطلوب له من قبل المتابعين للجلسات، وأمس الأول كان المطلوب وفد الجمعيات الخمس الرد على المقترح الأخير لوفد الائتلاف الذي طرح في الجلسة التي سبقتها يوم الأحد الماضي حين تقدم الائتلاف باقتراح جعل الحوار يسير على مسارين بحيث تكون جلسة في الأسبوع (الأحد) تختص بمناقشة المواد المختلف عليها على أمل إيجاد توافق عليها بعد الحوار المستفيض، وتكون الجلسة الثانية (الأربعاء) لمناقشة الأمور الأخرى وجعل الحوار يأخذ طريقه لمناقشة القضايا الوطنية التي يتوقع الشارع أن يكون لها موقع حقيقي في الجلسات وتخرج تلك الجلسات بنوع من الحلول المناسبة التي تنتشل الوضع المحلي مما وصل إليه.
وكما كان متوقعا فقد أتى الوفد المذكور بموقف رافض للمقترح رفضا سلبيا، أي إنهم رفضوا المقترح دون طرح رأي بديل أو مقترح آخر وكل ما حدث هو الإصرار على الموقف السابق المتمثل في تعطيل الحوار ورفض التقدم دون إنهاء النقاط المختلف عليها والتي تم حسمها كما يعرف الجميع في الجلسة الثانية بتاريخ 13 فبراير الماضي، بمعنى الإصرار على الوقوف ومنع الآخرين من التحاور ما لم يوافقوا على ما يريده وفد الجمعيات الخمس وهو ما يمثل اشتراطات مسبقة يضعها الإخوة على الحوار مع أنهم يصرون على أنها ليست شروطا بل أمور تمهيدية للدخول في الحوار.
عندما أرفض أمرا معينا أو اقتراحا توفيقيا لحل إشكالية معينة أو وأد فتنة قائمة أو قادمة فإنني لا بد وان أكون جاهزا لتقديم بديل لذلك الأمر أو المقترح ولكن الرفض السلبي دون بديل يمثل توجها واضحا كامنا لدى الإخوة في تلك الجمعيات مفاده أنهم لا يريدون الحوار من الأساس لتيقنهم بأنه من الصعب عليهم أن يحققوا ما يهدفون إليه من خلال التحاور وهو ما يعني أنهم ربما دخلوا الحوار مجبرين أجبرهم عليه الوضع الذي آلت إليه الأمور في البلد وخارج البلد إضافة إلى موقف الداعمين لهم من الذين أسقط في أيديهم بالدعوة إلى التحاور لأنهم يصعب عليهم رفض الدعوة وإلا تكشفت جميع الأغطية التي غطوا بها باقي الأمور والأهداف.
لقد أوقفوا الحوار لمدة شهرين متواصلين واستنزفوا جهدَ ووقت عدد كبير من الأفراد المشاركين بصورة مباشرة في الحوار أو القائمين على الأمور اللوجستية التابعة له والمنفذة لكثير من الأمور المطلوبة ليسير التحاور كما هو مطلوب.
من الواضح أن المطلوب في الحقيقة ليس التوافق على قضايا مهمة للمجتمع ويرنو إليها المواطن، ولكن المطلوب هو إبطاء حركة القطار الحواري أو ربما وقفه ودفع باقي الأطراف إلى أن تصل إلى مرحلة التعب والإنهاك والملل وبالتالي الموافقة على ما يريد معطلو الحوار وهو ما لن يكون – في رأيي الشخصي – لأن به من عاصر وعايش هذا الأسلوب من العمل لعقود من الزمن ويملك الخبرة الكافية للتعامل مع هذا الأسلوب والدخول في حوار مفتوح إلى ما لا نهاية وتفنيد جميع الحجج ووقف كل المناورات التي تحدث.
وربما يكون الهدف الثاني من التعطيل هو نقل صورة إلى من هم خارج طاولة الحوار بان العملية الحوارية تمر بمأزق ووصلت إلى طريق مسدود يمكن أن يدفع بهم – من هم خارج الطاولة – إلى التدخل في محاولة لإنقاذ عملية الحوار وتقديم الحلول والبدائل التي تصب في أهداف من يعطل التقدم الحواري.
كل ذلك قد يعني أن الدخول في الحوار لم يكن يهدف للتوافق بحد ذاته بقدر ما كان الهدف هو تقديم الدليل العملي على انه – أي الحوار بهذه الطريقة – ليس هو الطريق الصحيح أو الحل الأمثل لما يعانيه المجتمع وان الأطراف المشاركة يجب أن لا تكون ممثلة في الحوار – أي انه إقصاء للآخر – وأن الحوار يجب أن يتم مع من يمارس العنف ويقلب الشارع من الهدوء إلى الحرق والتدمير، أي انه في نهاية الأمر فرض أمور معينة بغض النظر عن موقف المجتمع يريدها أو يرفضها... لا يهم... المهم هو أنها – أي الجمعيات الخمس – تريد تحقيقها... والله اعلم.