ما نراه اليوم من الأحداث وتطوراتها على الساحة السورية والفصائل المشاركة في القتال الدائر هناك والارتفاع الهائل في الضحايا الذين سقطوا وسيسقطون في الأيام القادمة يوحي بأن الوقت قد حان لترتيب البيت السوري بالطريقة التي يريدها لها أعداء سوريا والأمة العربية وأنه قد أزف الوقت لتمزيق سوريا وصوملتها وتقليد أمراء الحرب فيها سدة الحكم كل في منطقة يسيطر عليها ويتحكم في مصائر البشر فيها رغما عنهم – البشر – ورغما عن أنف الشعب العربي السوري في أرجاء البلاد .
بعد انطلاق الثورة العربية السورية بعد أشهر – ربما تصل إلى عشرة أشهر – وفي ديسمبر من عام 2011 كنا حينها في أرض الكنانة وفي لقاء مع وفد سوري معارض يزور مصر حينها لإيصال الحقيقة ، كنا نتحدث عن رقم لعدد الضحايا قد وصل إلى خمسة عشر ألفا من الشهداء وكنا نستهول ذلك الرقم وإذا بالوفد السوري يعترض على الرقم ويقول بأنه تجاوز العشرين ألفا وأن لديهم تلك المعلومات موثقة وبالأسماء لمن يريد وأن ما نسمعه في الخارج لا يمثل الحقيقة عن الوضع في الداخل السوري وأن ما يجري في القطر العربي السوري أكبر بكثير مما يصل إلينا حتى نحن أشقاؤهم العرب .
أما اليوم فإن الرقم قد تخطى المائة ألفا بكثير لعدد الضحايا والشهداء الذين ارتوت الأرض السورية بدمائهم ، وليت الأمر اقتصر على ذلك الرقم المباشر للضحايا ، ولكن هناك أرقام أكبر من ذلك بكثير للضحايا الآخرين المنسيين ممن تأثروا سلبا بالقتال الدائر هناك واللاجئين الذين ضاقت بهم أرضهم فبحثوا عن الأمن والأمان فوق أراض أخرى ناهيك عما حل بسوريا من خراب أعادها عقود من الزمان إلى الخلف وجعلها بحاجة إلى سنوات طويلة لتستطيع الوقوف من جديد والعودة إلى ما كانت عليه قبل بدء الحرب وليس الثورة ... فهل هذا الثمن الذي كان على الشعب السوري دفعه ثمنا لحريته أم أنه ثمن فرض على الشعب السوري الذي خرج مطالبا بحقه في الحياة وقرر عدم العودة للخلف من جديد ؟ .
في اعتقادي أن كل ذلك فرض على الشعب السوري من قبل نظامه المقيت ومن قبل أعدائه في الخارج ممن وجدوا الفرصة قد حانت لوضع حد لاحتمال نجاح الثورة بدون كل ذلك الثمن الذي يدفعه ، فلو نجح الشعب السوري في ثورته بثمن أقل من ذلك بكثير فإنه سيملك الدور الصحيح المناط به في محيط أمته العربية وسيكون عونا له على عدوه ، لذلك لابد من إدخاله في المؤامرة الكبرى وتحطيم كل أمل له في تقويض النظام بتلك السهولة وتمهيد الأرض للآخرين من الدخول والسيطرة على مواقع في سوريا وتقوية النظام في البداية ليستطيع إطالة أمد القتال والعمل على تفتيت الشعب انطلاقا من التكوين المجتمعي السوري لتمنع بذلك من وحدة الشعب السوري على أرضه وإلهائه في قتال ما بعد سقوط النظام وربطه بمن حوله من المرتبطين بمصالح مع الغرب الاستعماري ليتحكموا بمصيره وأول أولئك المحيطين به يأتي العدو الصهيوني على رأس القائمة .
هنا تأتي مسئولية المجلس الوطني الذي تحول مؤخرا إلى ائتلاف وطني ، فقد كان ذلك المجلس يقف في وجه توحيد قوى المعارضة السورية التي حاولت معارضة الداخل إنشائها وتشكيل جبهة واحدة موحدة قوية تستطيع منع التدخل الأجنبي في الشأن السوري وتعجل بسقوط النظام المهيمن على مقدرات الشعب السوري .
ما نعلمه علم اليقين أن وفودا كثيرة من الداخل جاهدت من اجل تلك الوحدة الشعبية ولكن أطراف في الائتلاف أبت إلا أن تعرقل أي عمل وحدوي وكان الإخوان السوريين على قائمة المعرقلين للوحدة من أجل الاستفراد بالقرار السوري كونهم الجهة المنظمة بالخارج والتي لها علاقات واسعة بجهات كثيرة ووسائل إعلام متعددة ، لذلك وقفت ومعها جهات أخرى بالطبع في الخارج ضد التوحد وأوصلت الأمر إلى ما وصل إليه الآن .
ثم تأتي المسئولية العربية في ذلك بعدم دعمها الداخل المعارض بالصورة المناسبة وتركيزها على الخارج ونسيانها أن هناك معارضة وطنية تعيش داخل القطر السوري وأنها تعلم ما لا يعلمه غيرها من الخارج عن مخارج حل الوضع هناك ، ولكن الأقطار العربية – لسبب أو لآخر – آثرت إلا أن تسير خلف المجلس الوطني وتنسى الثورة الحقيقية في الداخل .
أما الدور الغربي فهو دور لا يمكن تجاهله لأنه في وقت من الأوقات كان – وربما لازال- المحرك الحقيقي لكل ما يجري عن طريق عناصر كثيرة تحيط بسوريا منها العناصر العربية أو غير العربية ، هذا الدور الأمريكي بالذات – وكنا قد تحدثنا عنه قبلا – كان همه الأول والأخير هو إطالة أمد القتال بتقوية النظام هناك إلى أطول مدة ممكنة وفتح القطر للكثير من العناصر ذات الفكر المتطرف والتي سيكون لها دور قوي في تفتيت سوريا وتحويلها إلى دولة مطيعة لينة سهلة التشكيل وسهلة السيطرة عليها مستقبلا وهذا ما تقوله الصورة حاليا ... وللحديث صلة .