كثيرون في البحرين لم يكونوا راضين تماما عن الدستور، ولكلٍ وجهة نظره، وأسبابه ومواده التي لا تعجبه، وكذلك بقية القوانين، لكن هل يعني ذلك أن الدستور أو القوانين غير ملزمة لهم!
بعد صدور الدستور كانت لكثير من الناس آراء وتحفظات على بعض مواده، فمنهم من انتقده من الناحية الشرعية، ومنهم من انتقد نظام المجلسين كتساوي عدد الأعضاء، أو المشاركة في الاختصاص، ومنهم من اعترض على تقييد صلاحيات المجلس وربما قصور استقلاليته عن السلطة التنفيذية فضلا عن آلية صدوره.
هذه الملاحظات لم تكن على الدستور البحريني فحسب؛ بل ثمة مثلها وأكثر منها في دساتير الكويت رغم ريادته وقطر والإمارات وعمان وبقية الدول العربية وغير العربية.
ثم هل كان المجلس التأسيسي في السبعينات أو حتى دستور 1973م محل اعتزاز ورضى كامل، وهل كان يرقى هو ودستور الكويت 1962 للمستوى الدستوري الموجود فيما يسمى ببلدان الديموقراطيات العريقة!!
مع ذلك فهل يجوز إطلاق القول بأن الدستور فاقد لشرعيته، وأن مجلس النواب (رغم اتفاقنا واتفاق النواب أنفسهم على ضعفه) لا يمثل الشعب، أو غير ملزم لمن لم يصوّت عليه، أو لم تعجبه آلية إصداره؟ ولو جاز ذلك جدلا، فهل يجوز لمن شارك فيه وعمل من خلاله أن يطعن في شرعيته ودستوريته كاملا؟
من جانب آخر يقول المرزوق “بما أننا جميعا متفقون على أن نذهب إلى دولة المدنية التي لا تحكمها النظريات الدينية فلا مكان لنظريتك “طاعة ولي الامر”، فمن يريد أن يتسلم منصبا وموقعا سياسيا ومسئولية فعليه أن يتحمل المسائلة وإلا فليسترح في بيته”.
ترى هل يتناسب هذا الطرح مع أفكار وجماعة لها مرجعية إسلامية، وجمعية ذات توجهات دينية شاركت في الانتخابات تحت مسمى “القائمة الإيمانية” وكان فيها أكثر من معمم!
ثم إن طاعة ولاة الأمر من العلماء والأمراء ليست نظرية دينية، وإنما أمر إلهي: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول... الآية”.
ثم إننا شهدنا كيف كانت الوفاق تمتنع عن التصويت على بعض العقوبات ربما من باب التحوط الديني وانعدام المجتهدين مع إن القانون قد تمت الموافقة عليه من قبلهم في اللجان، فإذا وصل إلى المجلس كانوا يمتنعون عن التصويت النهائي عليه إذا كان يتضمن عقوبات بالحبس أو السجن أو الغرامة المالية، حتى لو كان في أمور لم يرد فيها حكم نصي شرعي!
أذكر أنني مرة من باب التجربة وقد كنت حينها نائبا لرئيس كتلة الأصالة قد طلبت من الكتلة الامتناع على المواد التي امتنع نواب الوفاق عن التصويت عليها لأسباب شرعية.
أتدرون ماذا حصل لم تحز تلكم المواد على الأغلبية المطلوبة، وقلت حينها للزملاء نواب الوفاق: بإمكاننا أيضا الامتناع عن الموافقة على أي قانون أو مشروع يتضمن عقوبات.
المشكلة أنه وفي هذه الحالة لن يصدر عن مجلس النواب ولا قانون واحد به عقوبات ولو لم تعارض الشرع، فهل هذا ينسجم مع فكرتكم عن الدولة المدنية البعيدة عن النظريات الدينية؟
بعض الزملاء السابقين من الوفاق قالوا لي فيما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية إنهم مستعدون بكلمة واحدة من الشيخ عيسى قاسم أن يقدموا سبعة عشر استقالة على مكتب الظهراني! فعن أي دولة مدنية تتحدث!
لا شك أن ما يصرح به الزميل خليل المرزوق والوفاق هذه الأيام هو سقطة بمعنى الكلمة، وإني لناصح لهم بمراجعة موقفهم وعرضه على المختصين والعقلاء، ولنبحث جميعا عن حلول لجمع الكلمة حول أطروحات إصلاحية معقولة ومقبولة وممكنة.