يوم أمس الخميس كنت في جولة في بعض المؤسسات واكتشفت خلالها المعنى الحقيقي لاستهتار الموظف والبيروقراطية المعشعشة في العقول. استهتار لا مثيل له على الإطلاق ولا يمكن تصوره أبدا.
الجولة الأولى كانت إلى بنك معروف، حيث قطعت رقما وانتظرت مع بقية المراجعين المغلوبين على أمرهم، ولم يكن يوجد في قسم خدمات الزبائن سوى موظفين، الأول والشهادة لله نشيط جدا ويساعد هذا وذاك بقدر المستطاع، ويحمل ملفات إضافية تفوق طاقته كما كان يبدو، أما الموظفة الأخرى وهي مربط الفرس، فقد تركت المراجعين وذهبت إلى زميل آخر لها تتحدث عن “القيمات” وطريقة عمل “العصيدة”، كنت أسمعها بوضوح، وبعد أن انتهت من الثرثرة مع زميلها عن الطبخ ومقادير “العصيدة”، جلست على مكتبها منشغلة بهاتفها الموبايل. في هذه الأثناء كان الجميع ينتظر دوره في تذمر واضح ولم يكن يعمل لهؤلاء المراجعين سوى موظف واحد، والغريبة أن مدير الفرع كان يشاهد تذمر المراجعين وتصرفات موظفة “القيمات” ولكن لم يفعل شيئا.
بعد فترة انتهت هذه الموظفة من انشغالها بالموبايل، وهنا تنفس المراجعون الصعداء وظنوا أن ساعة العمل والخلاص في هذا البنك جاءت، ولكنهم بدلا من مشاهدة أرقام انتظارهم “تمشي” شاهدوا الموظفة تنادي على العامل الآسيوي الذي في البنك وأعطته مبلغا من المال وطلبت منه أن يحضر لها “ريوق”! أكثر من ساعة وهذه الموظفة لم تقدم أية خدمة تذكر للمراجعين، بل كانت نموذجا سيئا جدا لموظف في بنك.
أما الجولة الثانية والتي اكتشفت فيها العجب، فقد كانت إلى جهة حكومية خدماتية، دخلت المكتب الأول بقصد تخليص بعض الأوراق، وإذ بي أشاهد مجموعة موظفين يتحدثون عن مباراة في الدوري الأوروبي، ألقيت عليهم التحية وجاءني الرد من طرف الأنوف، يا ساتر، من أنتم حتى تتصرفون مع المراجعين بهذه الصورة المتعالية، لقد وضعتكم الحكومة على هذه الكراسي لخدمتنا ومتابعة شؤوننا، وليس للتحدث عن المباريات وتحليلها.
المهم، تكرم أحدهم وقال ببرود، “روح المكتب الثاني أخوي”، ذهبت إلى المكتب الثاني وما شاهدته كان أشنع من المكتب الأول، موظفة تتحدث في التلفون عن استعدادات زواج قريبة لها على ما يبدو، فتارة تسمعها تقول “وي... الصالة ذي صغيرة وما أعتقد تكفي حق المعازيم.. ما شاء الله معارف بويوسف وايد”، وتارة أخرى تسمعها تقول “ما يندرى والله جم صينية عيش أحجزوا حق الريايل”!.
أردت إشعار هذه الموظفة بوجودي، حيث تقدمت أمامها مباشرة وفي يدي الأوراق، ولكنها لم تعرن أدنى اهتمام “وطنشتني”، وبعد ثرثرة شبه طويلة عن “المعاريس” التفتت إلي وقالت... تفضل!
ما أنقله اليوم ليس بقصد إلصاق التهم بهذه الجهة أو تلك، وإنما أنقل حقيقة نراها أمام أعيننا في أكثر من جهة ومؤسسة. وأنا على يقين بأن هناك غيري من المواطنين قد تعرضوا لمثل هذه المواقف غير المسؤولة من بعض الموظفين الذين لا يستحقون المنصب ولا المكتب الذي يجلسون عليه.
لا نلوم الموظف المهمل ولا الموظفة التي قلبت مكتبها إلى صالة أعراس وسوق شعبية، وإنما نلوم المسؤولين الذين لا يتابعون الموظفين ويجعلونهم هكذا، مثل قطعة الخشب العائمة في البحر. مسؤولون ما إن يدخلوا إلى مكاتبهم حتى تنقطع علاقتهم بالعالم الخارجي. لا يعرفون ماذا يحصل ويدور في أروقة الجهة التي يفترض أن تكون أمانة عندهم.
كل شيء له أسباب وتبعات، فالموظف المهمل والذي لا يحترم المراجعين، من المؤكد أن وراءه مديرا أو مسؤولا يتصف بالمثل، هذا شيء طبيعي. فكلما كان المسؤول “فاج” مثلما نقول باللهجة المحلية، يكون الموظف أيضا “فاج”!.