إن مراجعة شاملة وعميقة لما يقدم للطفل الخليجي من برامج ورسوم متحركة وغيرها، تدلنا بامتياز على تخبط القنوات والقائمين عليها وعدم تحديد هدف واضح والتزام رفيع وصادق لكل ما يشاهده أطفالنا، والمثير للاهتمام أن معظم أبطال مسلسلات الكارتون التي يشاهدها أطفالنا يتصفون بالعدوان وأخذ الثأر والعقاب، ومعنى هذا أن المسلسل يترك في مخيلة الطفل السلوك العدواني ويقربه من العنف، بل صدمت شخصيا عندما شاهدت عن طريق الصدفة قناة خاصة للأطفال تعرض “كارتوناً” به مشاهد جنسية فاضحة وأنماط سلوكية غير سوية. للأسف لم يعد الطفل قادرا على معرفة الفن التربوي الحقيقي، وكل ما يشاهده يكون سببا في إفساده أخلاقيا.
أصبح من المألوف في كل المسلسلات الكارتونية التي تعرضها قنواتنا أن تظهر شخصية البطل في صورة تتعارض مع زرع القيم الأصيلة في نفوس الأطفال وتترك أثرا عميقا في مخيلتهم. سلبت هذه الأعمال الهابطة من كل النواحي أرواح أطفالنا وفاض الألم بكل الأسر تقريبا، والجميع يتحفظ على هذه السوق التي تغمرها مواد لا تتناسب مع قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وأخلاقيات مجتمعنا. لذلك نحن نتساءل أين هي مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك؟ أين الرقابة على المسلسلات الكارتونية التي تعرض على أطفالنا؟ من هو المسؤول المباشر بعد الأسرة على الرقابة؟ أين الذمة والضمير؟ لماذا توقفت المؤسسة عن إنتاج أعمال الأطفال؟ أين هي المشاريع التي تحترم قيمنا وتفهم عالم أطفالنا الصغار؟ لماذا قل اهتمام المؤسسة بثقافة الطفل الخليجي واقتصرت برامجها على البيئة والبرامج الوثائقية؟ أين هو التخطيط الشامل لكل ما يقدم على الشاشة للطفل الخليجي؟ أين المنتجون الذين يحرصون على تقديم مختلف الوسائل المفيدة الخاصة للطفل؟ ولا شركة إنتاج خليجية خاصة أنتجت أعمالا مفيدة للطفل، بل أصبح كل همها صرف الملايين على الأعمال الدرامية وكأن الفن يقتصر على الدراما فقط.
كم قناة خليجية خاصة وضعت ضمن أولوياتها تقديم مادة مفيدة للطفل وأعطته الاهتمام المطلق لإعداده وتنشئته؟ كل ما نشاهده مجرد مسابقات تقليدية غير ممتعة وزعيق في مجمعات تجارية وتوزيع جوائز وكان الله غفورا رحيما.
لقد ابتعدت كل الجهات الرسمية والخاصة عن الطفل واتجهت نحو المادة والأعمال الساقطة، حتى الفضائيات الحكومية نعتبرها شريكا في هدم الأذواق وإيصال المعلومة الخاطئة لأطفالنا وعرض كل ما هو رخيص.
الحكومات الخليجية تخصص مبالغ طائلة للإعلام ولكن السؤال.. أين حصة برامج الأطفال المفيدة من تلك المبالغ؟ كم برنامج أطفال في خريطة الفضائيات على مدار العام؟ للأسف “صفر” وربما الإذاعة أنشط قليلا من التلفزيون ولكن أيضا هناك ملاحظات على البرامج الإذاعية التي تقدم، فمعظمها تقليدي ولا تتناسب مع رتم الحياة.
لذلك أقول كولي أمر أولا وكصاحب رسالة إعلامية إن الاعتماد على المسلسلات الكارتونية الأجنبية ودبلجتها كما هو حاصل اليوم دون مراقبة ومراعاة حقيقية، يمكن أن يؤدي إلى إغراق أطفالنا فيما لا يفيد، وبالتالي قد يؤدي إلى ترسيخ القيم الخاطئة والضارة. وأكد أكثر من باحث أن مسلسلات الكارتون الأجنبية الموجهة لأطفالنا التي تتسابق القنوات في عرضها لا تتبنى ما يهمنا في تنمية أطفالنا، ولا تؤكد على المعلومات والقيم التي لابد للطفل الخليجي أن يعايشها.
بصورة عامة الإعلام الخليجي مقصر كثيرا في هذا الجانب ويفترض أن تعاد صياغة الخطط والبرامج الموجهة للطفل، لأننا نشعر أن هناك فجوة كبيرة بين الفضائيات الخليجية وبين الطفل والبرامج التي تفيده. الجهود كلها تنصب على الأخبار والمسلسلات والبرامج الوثائقية والرياضية، أما برامج الأطفال فهي منسية ولا يلتفت إليها أحد.