هل يجب على أية أمة حتى لو انهزمت أن تتخلى عن ثقافتها لصالح المنتصر، ام ان تظل متمسكة بتاريخها الذي يشكل ثقافتها وحضارتها التي تواجه بها الحضارات والثقافات الأخرى سواء المُستعمرة ام المهادنة. سؤال يحير الكثيرين وهم يتابعون سياسات الشعوب العربية وهي تلقي بكل تاريخها الثقافي والديني والسياسي لصالح الغرب المستعمر بحجج متنوعة، رغم أنها حجج واهية ضعيفة لا تعبر إلا عن مدى الضعف العربي الذي وجد في اتباع السياسات الغربية وما تفصله له طريقا للهروب من استحقاقات المستقبل لشعوب اصبحت لا تملك هوية بعد ان حوربت هويتها بكل ضراوة فأصبح العربي لا يعرف هل يتغنى بأغنية بلاد العرب اوطاني ام يسكت حيث اصبحت العروبة تهمة والقومية تهمة والضياع هو السائد. عندما تضيع الهوية يضيع الوطن وهذا حال الفلسطينيين اليوم، بعد نضال يقارب القرن من الزمان نرى الارض تضيع والتطبيع مع العدو الصهيوني على قدم وساق سواء من قبل الانظمة العربية او الاحزاب والمنظمات العربية التي يفترض بها ان تكون رأس الحربة في محاربة كل تطبيع مع العدو. بدأ الضياع مع زيارة الرئيس محمد السادات الكارثية إلى الكيان الصهيوني، زيارة اعلن بها انتهاء الحرب من الجانب العربي وإنهاء الوحدة العربية، وحدة الموقف ووحدة الهوية، لتجر السبحة وتبدأ الدول العربية بتوقيع اتفاقيات منفردة مع العدو، اتفاقيات كانت باكورتها ولادة اتفاقية اوسلو المهينة التي اعلنت من خلالها كل الانظمة العربية موت القضية الفلسطينية وبداية مخاض عسير مع الشعوب العربية لتثبيت حق اليهود في فلسطين وليس العكس.
اليوم وأنت تتابع المشهد تصدم بأن بعض القيادات الفلسطينية تطالب السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة بمقاطعة البضائع الصهيونية، وأهمية وعي الفلسطيني بأن المقاطعة طريق لاسترجاع حقه وأداة لهزيمة اسرائيل.
لم يعد المشهد الفلسطيني يوحي بالأمل والانتصار والعودة عن الصراع الداخلي لخلق وحدة فلسطينية ضد العدو بقدر ما يوحي بالمزيد من التنازلات والتطبيع، وهدا الوضع المؤسف تدفع به الانظمة العربية التي اصبحت شروطها لدعم القضية الفلسطينية اسوأ من الشروط الغربية.
في العام 1945 بدأ تاريخ المقاطعة العربية الرسمي للكيان الصهيوني، عندما اقرت الجامعة العربية ضرورة المقاطعة الاقتصادية واعتبرته عملا من اعمال المقاومة المشروعة ومن ضرورات الحفاظ على الامن القومي العربي وأحد أهم أدوات وقف هجرة اليهود إلى ارض فلسطين المغتصبة. وفي العام 1951 تم استحداث جهاز المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل الذي مازال قائما حتى اليوم. احدثت هده المقاطعة الاقتصادية والثقافية والسياسية اثرها الكبير حيث حوصرت اسرائيل ليس فقط من الدول العربية جيرانها الجغرافيين بل من كل الدول الصديقة التي رفضت التعامل مع اسرائيل. كان اتفاق العرب ووحدتهم وتوجههم القومي سلاحا لم تستطع اسرائيل اختراقه إلا بعد تخليهم هم انفسهم لصالح اسرائيل وداعميها. فرغم ان مكتب المقاطعة مازال قائما إلا انه عمليا لا يقوم بمهامه بعد ان فقد وظيفته لصالح السياسات العربية المهادنة لإسرائيل والغرب. تحت وهم استراتيجية الأرض مقابل السلام.
رغم كل ما يقال عن المقاطعة فإن تأثيرها كان كبيرا على الكيان الصهيوني، هذا التأثير هو الذي دفع باللجنة الأميركية اليهودية في سبعينات القرن المنصرم، ان تضغط باتجاه تمرير تشريع ضد مقاطعة العرب للبضائع الاسرائيلية.
اليوم نعيش مرحلة تخلي الدول العربية عن المقاطعة وعلى رأسهم السلطة الفلسطينية التي تخلت عن مقاطعة البضائع الاسرائيلية في العام 1995م. وإذا كانت السلطة الفلسطينية رأس الحربة تتخلى عن اهم ادواتها وتقبل بالتطبيع ليس فقط الاقتصادي بل والثقافي والسياسي فلا مجال للوم الآخرين.