العدد 2041
السبت 17 مايو 2014
تغير العالم وثبات مخيلة الغرب عنا زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 17 مايو 2014



أثار اهتمامي خبر أذاعته “البي بي سي” العربية يقول إن نسبة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي وصلت إلى 66 مليون مستخدم. والقيمة المعرفية المضافة من العرب لهذه المواقع اقل من 50 %. بينما يستخدم الغربيون مواقع التواصل بنسبة لا تصل الى 40 مليون مستخدم والقيمة المعرفية التي يضيفونها تصل لأكثر من 60 % ولسنا نعرف على وجه الحقيقة ما هي نوعية المعرفة المقاسة حسب هذا التقرير.
إن عملية الاستهلاك التي يعيشها العالم العربي كما يبدو حسب هذا التقرير لا تقتصر على عمليات الشراء لكل ما هو جديد دون القيام بأية محاولة لإنتاج ولو القليل من هذه الاحتياجات التي يتم استهلاكها، ناهيك عن الكماليات التي تستنزف 50 % من ميزانيتهم، ضمن دولة ريعية تشجع على الاستهلاك ولو على حساب امنها الاستراتيجي فيما يتعلق بالغداء والماء والموارد غير المتجددة.
فثقافة الاستهلاك تطال كل ما حولهم وهي حالة تتعزز عندما يولد الإنسان العربي في الدول الغنية ليكون المستهدف الاول لكل السوق العالمي الذي يجني من ورائه مليارات اليوروات والدولارات، لذلك وظفت المصانع ووسائل الانتاج آلة اعلامية ضخمة قائمة على دراسات تقنية يمكن بواسطتها التأكد من توليد حاجات لسلعها وإقامة مجموعة من الارتباطات النفسية والعاطفية تؤكد تلك الحاجة للاستهلاك واقتناء سلع التفاخر، وهو ما يحافظ على دوران الآلة الانتاجية في بلد المصدر بصورة لا غنى عنها في دورة الانتاج والاستهلاك، وعندما عجزت تلك المصانع عن تطوير سلعها صارت تلك الدول تبيع حتى التجارب الانسانية لتوليد حالة الرضى عبر الالعاب ودور السينما وغيرها لتعمق عمليات الاستهلاك القاتلة.
ومع ذلك كله لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في ثورات الربيع العربي خصوصا في مصر واليمن، فمن خلالها استطاع شباب الثورات التواصل ونقل المعلومة وفضح كل سياسات الاستبداد التي مارستها الانظمة ضد انسان هذه الثورات، كما استطاعت هذه الثورات ان تنقل عدواها لما حولها من البلدان لنشر حركة التغيير والاصرار على المطالب، ولعل ما حدث في تركيا وإيران من منع “التوتير” دليل على مدى فاعلية هذه الاداة الاعلامية في العمل على نقل المعلومة وامتداد يد الرقابة لمثل هذه الفعالية التي اكتسبت الطابع الاجتماعي الواسع.
واستخدام المواطن العربي هذه الأدوات لتوصيل ظلامته كما لتوصيل ابداعاته الثقافية والعلمية من خلال المدونات التي اصبح بعضها بشهرة بعض الرؤساء العرب حتى وقع اصحابها تحت طائلة القانون لقيامهم بفضح ما لا يجب ان يعرف، ليس فقط للمواطن العربي ولكن لكل العالم من خلال الفضاء الالكتروني الرحب.
واكتسبت تلك الادوات التي اخترقت مجتمعاتنا مع رياح العولمة خصوصا في الثلاث سنوات الأخيرة اهمية كبيرة حيث اصبح الفضاء الالكتروني الصديق الوحيد والمقرب للمواطن العربي الذي يستقي من خلاله المعلومة والخبر خصوصا عندما تحول الهاتف لسلعة شخصية تتواصل مع فضاء الشبكة، وتبدو تلك الحالة كردة فعل ناتجة عن السيطرة الكلية للسلطات العربية على الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب، فصار ذلك الاعلام يعاني من البطء وعدم المصداقية في نقل المعلومة التي عوضها الفضاء الالكتروني.
هذا كما يبدو لي اضاف قيمة كبيرة لمواقع التواصل الاجتماعي ليس فقط من جانب المعرفة ولكن ايضا قيمة مضافة لأهمية هذه المواقع الكيفية والتنوع في استخدامها. فلم يسبق ان قام الغربيون بتوظيف هذه الادوات وتحويلها الى اداة إعلامية مهمة تفوقت على كل الاجهزة والادوات الاعلامية التقليدية. ولعل ما حدث من مسيرات انتهت بتجمع حول البيت الأبيض والذي تداعى له المئات من الاميركان مطالبين بالتغيير من خلال ادوات التواصل الاجتماعي لم يكن لولا تأكيد فعالية تلك الأداة العملية في الثورة المصرية، والتي اثبتت قوة هذه الادوات في تحريك الشارع وتوحيد تحركاته وتنظيمها.
إن محاولة استخدام الأرقام والنسب لإخراج الشباب العربي من عمليات التأثير والتغيير وإلصاق تهم الاستهلاك غير الهادف بهم لهو محاولة دائمة من الغرب لإعطاء صورة سلبية للشباب العربي واتهامه بشكل متواصل بأنه إنسان فارغ لا يعرف إلا الاستهلاك دون القدرة على الاضافة المعرفية المتنوعة. بينما واقع الحياة يقول ان استخدام العرب للفضاء الالكتروني لا يأتي فقط للعبث والتسلية بل كلف هذا الاستخدام العديد من الرؤساء العرب مقاعدهم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية