هل تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأن محرقة اليهود هي أبشع جريمة في التاريخ المعاصر جواز عبور للاعتراف بصهيونية إسرائيل والموافقة على جميع الشروط الصهيونية التي من بينها التخلي عن الارض وعن عودة المهجرين وبالتالي لا لحق العودة للأرض مقابل السلام. وهل هذا التصريح الذي واكب خطوات مفاجئة تجاه المصالحة الفلسطينية هو ترتيب للخروج بموقف واحد يتوافق مع الضغوط العربية والأميركية من أجل التنازل النهائي وترتيب الوضع الفلسطيني حسب الرؤية الأميركية الصهيونية وبمباركة عربية.
يبدو أن الربيع العربي الذي أربك الكثير من السلطات العربية وخلق حالة من الفزع بعضها معلن وبعضها تحت الستار، هذه الحالة هي اليوم تهيمن على سياسة السلطة الفلسطينية باتجاهات يرفضها المهجرون وبعض الفصائل الفلسطينية التي ترى في الانتفاضة والنضال المسلح المستمر الطريق الوحيد للفلسطينيين.
لقد عشنا حالة إعلامية غير مسبوقة قادها الرئيس عباس تتعلق بالاعتراف بفلسطين من قبل الأمم المتحدة كدولة مستقلة في 27 سبتمبر 2013، وهذا الاعتراف يعطيها الحق في الانتساب للعديد من المؤسسات الحقوقية الدولية التي عن طريقها تستطيع رفع دعاوى على الدولة الصهيونية، إلا ان الرئيس عباس إلى اليوم لم يتحرك ويستخدم هذا الحق خشية من أميركا من جانب وخضوعا لضغوطات السلطات العربية من جانب آخر. كما ابتعد عباس لنفس الأسباب عن توظيف كل قرارات الأمم المتحدة وسلطاتها لخدمة القضية الفلسطينية.
لا نقول إن الرئيس عباس يعمل منفردا ويتخذ قرارات منفردة بل إن كل ما يحيط به من ضغوط عربية وغربية يساهم في قراراته التي استسلم لها بدءا باتفاقية أوسلو المهينة وما تبعها من اتفاقيات كان هدفها الاساسي اضعاف القضية الفلسطينية وزخمها وضرب المقاومة وتحويلها إلى مجموعات ارهابية في نظر العالم وفي كل هذا الإرباك تسرق الأرض بحجج صهيونية متنوعة وبغض الطرف من قبل المجتمع الدولي الذي يرى ويسمع ولا يتحرك.
اليوم رغم فجاجة المطالب الصهيونية بشرط اعتراف السلطة الفلسطينية بيهودية اسرائيل مقابل الاستمرار في المفاوضات، إلا ان الرئيس عباس فاجأ الجميع بتصريحه حول الهولوكوست، ولا نعرف ما هو الهدف الحقيقي وراء هذا التصريح خصوصا انه يواجه تعليق المفاوضات من قبل نتنياهو ورفضا قاطعا للمصالحة الفلسطينية متطابقا مع رفض اميركي لها. ولا يبقى أمامنا إلا أن نأمل بأن لا تكون المصالحة الفلسطينية على حساب اغلاق القضية مقابل اعتراف العالم بها دولة مستقلة بما تبقى لها من أرض، والتنازل عن كل ما اغتصبه الكيان الصهيوني.
إن الخلاف العربي اليوم الذي يظهر بشكل جلي في سوريا ومصر وانعكاسه في خلافات بين بعض الدول الخليجية يضعف بشكل كبير موقف الرئيس عباس بحيث اضطره أن يتنازل هو والرئيس اسماعيل هنية وأن يضطروا لعقد لقاء مصالحة لترتيب البيت الفلسطيني. هذا الترتيب المفاجئ يعكس حجم المأزق الفلسطيني الرسمي الذي مازال يصر على السير على نفس السياسات ونفس الاستراتيجيات التي تأكل الأرض وتزيد من اعداد المهجرين والمعتقلين. فهل نأمل خيرا في مصالحة جاءت بعد سبع سنوات من القطيعة والخصام حولت حركة حماس في نظر العالم إلى منظمة ارهابية. وهل موافقة حماس للسير في طريق المصالحة هو الخروج من عزلتها العربية بعد اصطفافها بشكل سافر مع إخوان مصر ودعمهم في سوريا. وهل تأمل السلطة الفلسطينية ومن يدعمها من الانظمة العربية أنه بعد الوصول إلى حكومة وطنية فلسطينية منتخبة سيكون تحرك السلطة الفلسطينية اقوى باتجاه الاستسلام والموافقة على دولة بالشروط العربية والدولية المتجاوزة للحقوق الفلسطينية، ام ستستطيع الفصائل الفلسطينية الرافضة لكل شروط الاستسلام قيادة الشعب الفلسطيني لانتفاضة ثالثة تغير المواقف جميعها لصالح الشعب الفلسطيني.