العدد 2020
السبت 26 أبريل 2014
“بنت المصرية” زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 26 أبريل 2014



تناولت الكتاب من على الرف، جذبني الاسم كالمغناطيس “بنت المصرية”، كانت مصر ومازالت زهرة القلب، لا يمكن مهما مر من الوقت وتبدلت الأمور وتغيرت العقول والقلوب ان تستطيع انتزاع حب مصر من القلب. جذورها بعيدة ثابتة في جسد تهالك ولم يستطع إلا ان يزداد حبا وعشقا في هواء مصر ونيلها والأهم أهلها.
“بنت المصرية” عنوان لما يشبه الخواطر أو السيرة الذاتية للرائعة الدكتورة نهاد الشيراوي. رغم ان الكتاب يبدأ بعتاب وربما اشياء اخرى، تخبرنا الكاتبة من خلالها كيف ان لقب “بنت المصرية” استحوذ على كيانها وأقلق في معظم الوقت راحتها، فهي مصرية الأم بحرينية الأب. إلا ان كل أترابها لم ينادوها باسمها “نهاد” بل تحول الاسم إلى “بنت المصرية”.
وأثارني الكتاب لتذكري أن هذا النداء مسبة عند البعض ولكنه كان يعني لي شيئا آخر. كان يعني مصر بعظمتها وبهائها. كنت أتمنى وأنا أشاهد الافلام المصرية وأستمع للأغاني المصرية أن أتحول بقدرة قادر إلى مصرية تهيم في شوارع مصر. آه ما أجمل مصر الستينات ومصر السبعينات. هل هناك من يكره مصر من جيل الخمسينات والستينات. لا، مصر كانت قبلة العرب ومعبدها. مصر العروبة مصر عبدالناصر، مصر المقاومة مصر التاريخ وصناعة التاريخ. في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم كان كل اهل الخليج يجدون في مصر وأهلها المثال الذي يجب ان يحتدى به، فكانت مصر هي الحلم بكل ما فيها. كنا نشاهد الأفلام المصرية ونتمنى ان يكون كل رجل في البحرين رشدي اباضة أو كمال الشناوي، وكل امرأة فاتن أو شادية أو ماجدة، كانت مصر هي البوصلة. ان تكون مصريا يعني ان تكون البطل وأن تكوني مصرية يعني ان تكوني الجمال والأنوثة. كنا في البحرين نتطلع إلى العائلات المصرية بشيء من الإعجاب والدهشة. فهم يختلفون في حياتهم عما عهدناه في منازلنا، رائحة الكعك المنبعثة من مساكنهم تفتح شهيتنا الصغيرة، مازلت إلى اليوم أشم رائحة كعك البرتقال حيث كانت تعده ماما عزيزة، جارتنا المصرية.
محزن جدا ما نعيشه في دول الخليج والدول العربية من نعوت متنوعة تطلق على اي شخص يعيش بينهم ويختلف عنهم في الثقافة والجنسية ويشعرون انه اقل منهم في المنزلة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. فتحل اللعنة وتنزل المصيبة كالصاعقة. تعامل عنصري مع ابناء الوطن الواحد مثل “ابن أو بنت المصرية ابن الهندية” بينما تعظيم سلام لابن البريطانية والأميركية والأوروبية بشكل عام حتى بنت الروسية لم تسلم من التسقيط، فالعداوة الغربية مع السوفييت لطالما انعكست على كل ما هو سوفيتي.
عندما تضعف الأمة وتنهزم، تهزم رموزها ومثالها الأعلى، ومع الوقت لا يعي المواطن حجم المأزق التاريخي الذي وضع نفسه فيه، فإعلام السلطات يعزز حالة الشعور بالانهزام ويمجد كل ما هو غير وطني ويشجع على الثقافة الاستهلاكية التي تحول كل الثقافة الوطنية إلى ثقافة هابطة لا علاقة لها بتاريخ وحضارة امة تمتد من الماء إلى الماء. في فترة الخمسينات كانت الامة العربية تعيش نشوة الانتصار، نشوة بدأت بثورة 23 يوليو ولم تتوقف إلا بعد تحرر اغلب الدول العربية من استعمار اضاع الهوية وفتت الوحدة وأضاع بعض الأجزاء. أحيت هذه الثورات روح العزة والكرامة التي كادت تموت، وأعاد للأمة ايمانها بنسائها ورجالها، فكانت جميلة بوحريد رمزا لكل امرأة وجمال عبدالناصر رمزا لكل رجل. لقد أعادت ثورة المليون شهيد الأمل في قدرة الشعوب على التحرر وأعادت ثورة يوليو الاعتزاز بالقومية العربية. أعادت الثورات الروح للفن فأبدع وفتحت الطريق لثقافة جديدة، ثقافة حية تؤمن بقدرة الانسان العربي. فهل نستلهم من تاريخ قريب مجيد بعض الثقة في انتمائنا ونفخر به.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .