العدد 1887
السبت 14 ديسمبر 2013
منديلا أسد إفريقيا الأبيض زينب الدرازي
زينب الدرازي
السبت 14 ديسمبر 2013



سأل كثيرون من الجيل الحالي الذين لم يعايشوا التمييز العنصري في جنوب افريقيا والحرب الطاحنة التي دفع آلاف الأفارقة حياتهم فيها ثمنا للحرية والمساواة من أجل محاربة نظام الفصل العنصري، يسألون من هو مانديلا ولماذا هذا الاحتفاء به من جميع دول العالم.
لن نتمكن في عمود مثل هذا من سرد سيرة مانديلا وهي على كل حال متوفرة على الشبكة العنكبوتية، ولكن من أهم الاشياء التي يمكن لفت النظر اليها تلك الروحية العظيمة التي تمتع بها هذا المناضل الفذ، فبالرغم من السنوات الطوال التي قضاها في السجن منفردا، ورغم قسوة الحكم عليه الذي تضمن الادانة بالخيانة العظمى لبلاده، بالرغم من كل ذلك لم ينكسر، ولكن كونه امتدادا حقيقيا لنضال شعبه، اضطرت الحكومات المتعاقبة على بريتوريا للتباحث معه من داخل سجنه، على الرغم من أن نظام الفصل العنصري اعطى بعض المناطق حكما ذاتيا لتبقى تحت السيطرة التامة على كل ثرواتها التي يتمتع بها البيض دون السود الذين كانوا يعيشون تحت خط الفقر بصورة عامة.
ومنديلا هو ذلك المحامي الذي رفض فكرة تطبيق الفصل العنصري على بلاده، والذي سيخلده التاريخ كما خلد المهاتما غاندي ذلك الرجل الذي تمتع بروح عظيمة قادت شعبا كاملا نحو الحرية، إن ما يميز تجربة مانديلا هو انه بدأ بالكفاح المسلح ضد نظام الفصل العنصري، ولكنه عندما انتصر نظر إلى اعدائه وسجانيه نظرة كلها تسامح وقام بإنشاء لجنة الإنصاف والمصالحة التي نقلت البلاد من احتمالات حمامات الدم إلى المجتمع المدني.
مانديلا الذي يقف اليوم رؤساء العالم لإلقاء خطبهم الرنانة عن ما شكله الرجل من مثال يحتذى به لمنتصر يقبل بالمصالحة الوطنية، ويذهب في حوار مع سجانه الذي ارتعب من خروج مانديلا من بطن السجن إلى سدة السلطة فجأة ولكن مانديلا طلب منه ان يصف كيف كان يعذبه في السجن ثم سامحه، وعندها قال قولته الشهيرة، ان نسامح نعم أما أن ننسى فلا، والتي ذهب بها الصيت إلى اقصى المدى. هؤلاء الرؤساء نسوا ما كانت تفعل كثير من حكوماتهم تجاه تأييد نظام الفصل العنصري، ونسوا ايضا انهم من وضعوه وحزبه على القوائم السوداء.
إن مانديلا كرجل افريقي صار ينتمي إلى كل العالم، فإن كان لون جلده أسود فإن فعاله بيضاء ناصعة، هذا هو الرجل الافريقي الاسود ذو القلب الابيض، بينما ظل البيض يحملون في فترة الفصل العنصري قلوبا سوداء من حقدهم على الرجل الافريقي لا لشيء إلا لأنه اسود البشرة، إن هذا التعالي العرقي هو ذاته ما تورمت منه وجنات اوروبا اثناء الحرب العالمية الثانية حيث حاول هتلر بالقوة محو الشعوب التي لا تنتمي للجنس الآري وأراد نشر وتسييد الجنس الآري النقي، هي ذات العنصرية البغيضة التي قامت في افريقيا ولولا الحاجة إلى العبيد بأشكالهم المختلفة تحت مسمى العمال لما ابقى البيض على اسود في جنوب افريقيا، وعندما حاول الافارقة ارجاع الاراضي لأصحابها الاصليين من السود، قامت اوروبا التي يؤذن اصحابها في جنازته بمقاطعة البضائع التي كانت تستوردها من اجل حصار جنوب افريقيا ومنعها من اتمام عملية المصالحة والإنصاف.
لم يكن مانديلا رجلا عاديا مع انه مات ميتة رجل عادي يودع العالم في سلام، وجعل هذا العالم اكثر سلاما مما كان، لا يمكن للعرب وهم يصارعون في قضيتهم الاولى قضية فلسطين إلا عدم نسيان مواقف هذا الرجل الذي نظر إلى الكيان الصهيوني ككيان غاصب لأرض شعب يحاول ابادته وتدميره ونفيه عبر جدران الفصل العنصري المعنوية والحقيقية. إن مواقفه تدل على شجاعة نادرة وموقف ثابت من قضية التمييز، عكس كثير من الدول التي صورت نفسها على انها صديقة للعرب في صراعها من اجل رد المقدسات ولكن دون أن يكون هناك موقف مبدئي يدفعهم نحو العمل الجاد على اعادة الحق للفلسطينيين، وليس عدد مرات استخدام الفيتو إلا دليل على تلك الحالة التي تغلب فيها المصلحة والمواقف السياسية على غيرها من الاعتبارات، لعل مانديلا وهو ممدد في تابوته يضحك من ذلك التمجيد الفارغ لمبادئه التي تنتهك كل يوم امام اسياد اوروبا وهم يتشدقون بالكلمات الرنانة لكي لا يفوتهم مجد تأبين هذا الرجل القارة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية