لسنا بحاجة لخبير اقتصادي ليخبرنا أن اي اختلالات سياسية في اي بلد ستؤثر بشكل مباشر على وضعه الاقتصادي و بالتالي انعكاس هذا الوضع على سعر عملته مقارنه بالعملات العالمية، وتغير تصنيفه الائتماني من قبل الجهات الراصدة في العالم مما يؤثر ايضا في قدرته على الاقتراض وجذب رؤوس الاموال الاستثمارية لتغيير الحالة الاقتصادية، وكلما تراجع سعر صرف العملة عبر عن تضخم ناتج عن عدم القدرة على تحقيق تغطية لعملته التي يصدرها البنك المركزي، وبالتالي يعبر عن تقلص موجوداته من القطع الاجنبي، وفي المجمل يعبر عن تراجع وضعه الاقتصادي، وبالتالي تراجع المرصود للمنافع الحياتية بتقلص بنود الانفاق في الموازنة العامة ، والدخول في دائرة من تقلص الخدمات المقدمة من قبل الدولة وهي بالمقابل تزيد من حالة التوتر الاجتماعي وتؤثر على استقرار البلد سياسيا و بشكل مباشر.
لا يعني المواطن العادي المهموم برفع مستواه المعيشى انعكاس سعر صرف العملة على جذب الاستثمارات الخارجية او حتى خروج هذه الاستثمارات من البلد فهو مهموم بما ترصده الدولة لملفات الاسكان والبطالة والصحة والتعليم، وخفض الضرائب، اي بكل ما يؤثر مباشرة على وضعه المعيشى.
وما يؤسف له ان الاضطرابات السياسية والحركة المطلبية التي تواجهها السلطة بتعنت يصل الى حد العنف غير المبرر والذي بدوره يقود مع الوقت نتيجة سياسة السلطة في تقسيم الوطن الى ملل ونحل واحزاب وطوائف، تؤدي بالنهاية لحرب اهلية تحرق الاخضر واليابس وتهدم الدولة عوضا عن تحسن الوضع والوصول بالاقتصاد لمستوى الانتعاش، فنرى خدمات الدولة تنهار بانهيار صرف العملة ويبدأ المستوى العام للحياة الفردية بالانخفاض، ويبدأ عهد جديد اكثر حرمانا واكثر قسوة على المستوى الاقتصادي. ولنا في ما حدث بالعراق و لبنان مثال حي ، فالجميع يتذكر كيف هرول بعض المتعاملين بالعملة لشراء العملة العراقية لعلهم يتحصلون على ربح خيالي بعد هدوء الحرب العراقية الايرانية و رجوع الامور الى نصابها، ولكن ذلك كان مثل عشم ابليس في الجنة، واليوم وبعد مضي اكثر من عقدين على الحرب الايرانية العراقية ، وما اعقبها من حصار جائر على العراق تبعته حرب غزو الكويت ، وما تلته من حرب احتلال العراق التي نجم عنها انهيار الدولة العراقية وتبددها ، و اليوم يعيش العراق ما يشبه دول ملوك الطوائف و بالطبع كل هذا لازال يضغط على العملة العراقية ، برغم كون العراق دولة نفطية، بات اقتصادها يعتمد عليه وتحولت إلى دولة ريعية، وعوضا عن قوة عملتها في الثمانينات نراها اليوم لا تساوي ثمن الورق الذي تطبع عليه، ورغم انتهاء الحرب رسميا فيها إلا انها لم تستعد عافيتها اقتصاديا وسياسيا، فما زالت القلاقل السياسية تقف حجر عثرة امام النمو والتطور مما انعكس على بقاء عملتها على حالها، ولا عزاء لكل من اشترى الاوراق النقدية العراقية القديمة والتي استبدلها الحاكم العسكري الامريكي بنقود جديدة.
أما لبنان فلا يختلف عن العراق، فبعد ان كانت الليرة في سبعينات القرن الماضي و قبل اشتعال الحرب الأهلية تساوي 125 فلسا بحرينا تقريبا، أما اليوم فأصبحت تساوي أقل من خمسة فلوس. وهذا ما يحدث اليوم في مصر و ليبيا و اليمن و كل الدول التي تعيش وضع سياسي غير مستقر.
إن حل كل المشاكل الاقتصادية و المطالب المعيشية بالعنف لن يؤدي إلا الى مزيد من الاضطرابات السياسية ، فالعنف لا يحل المسائل بل يعقدها ، وعوضا عن الخروج من الازمة ستري الدولة نفسها في مأزق اكبر لن يكون العنف و الخروج على القانون إلا بوابة لحرب اهلية طاحنة ستؤدي الى مزيد من الخراب و ليس بناء استقرار اقتصادي وسياسي.