العدد 2180
الجمعة 03 أكتوبر 2014
لماذا الحج؟ (1 - 2) خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 03 أكتوبر 2014

لماذا كان الفريضة الخامسة في الإسلام؟. سألت السيدة المغربية “تامو” هل حججت قالت بافتخار: تسع مرات، وأريد المزيد. وأريد الموت هناك”، هل يا ترى تدرك هذه السيدة الفاضلة لماذا شرع الحج؟ ومتى؟ ومن بناه؟ ولمن وجهت دعوة الزيارة؟ ولماذا أصبحت الأمم تحج بالنسبة المئوية من عدد سكانها؟ وهل يدرك الحاج الذي يحج للمرة السابعة عشرة أنه يزعج ويأخذ مكان تسعة عشر حاجا لم يقدموا إليه بعد؟
التناقضات تقع في عدة مستويات، الطقوس بدل المعاني، عدم استيعاب معنى القربان أنه التوقف عن التضحية بالإنسان تحت أي مسوغ وشعار وسلطة، وأن هذا البيت وضع للناس جميعا، فليس ثمة آية تقول إنه للمسلمين فقط، فيجب أن يكون منبرا عالميا للشحن.
ولكن بقدر رسوخ هذه المعاني في الإعلان الإبراهيمي بقدر عكسها في الشرق الأوسط والعالم العربي، من القسوة وعدم السلام والحرب ورسوخ الديكتاتوريات كأنها أشجار الجحيم.
من المفروض أن يودع المسلمون عيد الأضحى، وينصرف البشر المجتمعون في هذه التظاهرة السنوية إلى أقطارهم، مشحونين بالروح السلامية، والتدريب على محاربة الشر. وأما التضحية فكانت ترميزاً لإحياء ذكرى الإعلان الإبراهيمي قبل أربعة آلاف سنة بالتوقف عن تقديم القرابين البشرية، وتوديع عقلية العالم القديم، في حل المشاكل بالعنف، كما حصل في الحرب العراقية الإيرانية التي نحر على مذبحها مليون شاب في ثماني سنوات عجاف، أو حرب جنوب السودان حيث نحر على مذبحها عشرات الآلاف من الشباب الأفريقي تحت دعوى الجهاد، وإن كانت هناك فائدة فيها فعدم العودة إليها. أو ما يحصل من تجمع سحب الحرب من جديد على دولة الخرافة الإسلامية الكبرى عفوا الخلافة؟
لذا كان الحج في ترميزه المكثف، تدريباً سنوياً لشحن الإنسان بالروح الإسلامية، فالمظهر متشح بالبياض، والكعبة بيت الله الحرام، فيحرم ممارسة العنف بكل أشكاله وامتداداته، فلا جدال في الحج، الجدال بمعنى التنازع والتوتر، وينعم الجميع ببحيرة للسلام في أرض غير ذي زرع، ويأمن الطير والدواب والإنسان على أنفسهم من العدوان، بعد أن كان الناس يُتخطفون من حولهم، ويمتد السلام من النفس إلى البيولوجيا فلا ينتفي الشعر أو تقص الأظافر، وينتهي بتدشين تجربة على ظهر الأرض، سنوية لا تقبل الإلغاء أو التأجيل، للسلام الزماني المكاني، في البيت الحرام من خلال الأشهر الحرم.
وعندما دشن إبراهيم عليه السلام هذه التجربة وصمدت خلال آلاف السنين كان يريد تعميم هذه التجربة على ظهر الأرض، في كل الأوقات، لتحول الأرض كلها إلى أرض حرام، وتتحول الأشهر كلها إلى أشهر حرم. يحرم فيها سفك الدم وتقديم القرابين البشرية، في أي حرب، أو تحت دعوى الانتفاضة، أو ذبح الناس من الوريد إلى الوريد تحت دعوى للمقاومة وهو ما دعا إليه سقراط ومن أجله مات.
الحج إذاً احتشاد تظاهرة “الإنسان” لإيقاف تقديم القرابين البشرية، وتدشين السلام العالمي من خلال هذه التجربة الإنسانية الفريدة، التي يتم فيها التدريب سنوياً على استخدام هذه “الأداة” السلمية لحل المشاكل بين بني البشر.
وعندما يرجع “الإنسان” من مركز الشحن والتعبئة الروحية، من أجل تعميم ونشر ومد هذه التجربة الناجحة في العالم، يمكن نقل هذا الأسلوب الإنساني، ورفع مستوى الخلاف وطريقة حله إلى مستوى إنساني، بتبني الأسلوب السلمي.
وقد يتساءل أحدنا ومتى كانت الطريقة السلمية بديلاً عن توازن الرعب المتبادل، فدورات النزاع وجولات الحرب في التاريخ، بقيت بعيدة عن الاستفادة من درس الحج، في ممارسة اللاعنف وتدشين السلام؟ والجواب على هذا ان هذا الأسلوب الإبراهيمي سيبقى مصدراً للطاقة الروحية، لأنه أداة إنسانية في أسلوب حل المشاكل. ويمكن الاستفادة من هذه (الأداة) في كل حقول الصراع الإنساني، بنتائج مباركة لا تقارن بأسلوب التدمير المتبادل.
قانون العنف وقانون الحب... العنف المتبادل في الصراع الإنساني لا يحل المشاكل بل يزيدها تعقيدا، فهو ينطلق من مشاعر الكراهية والحقد، والخوف من الآخر، فيولد مثيله؛ فهذه هي آلية عمل المشاعر، فالحقد يولد الحقد، والكراهية تغذي مثيلها، والدم يفجر الدم، في دائرة صراع تمسك حلقاتها ببعضها البعض، وتغذي أطرافها نفس المشاعر. وفي صورة وأسلوب المقاومة أو درس اللاعنف من الحج يفضي إلى التوازن وحل المشاكل، لأنها لا تعتمد آلية الكراهية التي ترتد على نفسها بل الحب والتسامح مع الطرف الآخر، وهي صورة مشاركة، فهي استراتيجية تعتمد ترك الهامش أو الباب مفتوحاً في ظهر الآخر. ليس كسر وثني ذراع الآخر بل التقاء الإرادتين في النهاية.
ولكن لماذا تعجز آلة العنف عن حل مشاكل النزاع الإنساني وتنجح آلة اللاعنف بشكل مدهش؟ إن هذا يدفعنا إلى تفهم الآلية السيكولوجية لعمل العنف واللاعنف.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .