أكتب هذا البحث لوقوع بحث دسمي بين يدي حديث من مطابخ العلم الطازجة عن إستراتيجية جديدة لمكافحة هذا المرض الوبيل. عن هذا المرض الذي يهدد كل واحد فينا، سوف أتناوله على وجبات.
احتشاء القلب يعني موته ومعه موت الإنسان. كل واحد منا معرض لهذه الإصابة الصاعقة إذا تقدم به السن، ولكن ليس شرطا أن يصبح أحدنا شيخا واهنا أو عجوزا شمطاء، بل يضرب حتى الشباب فيموت في لحظات! كما حصل مع زوجتي ليلى سعيد رحمها الله التي غادرتنا في كندا دون كلمة وداع.
في سورة ياسين تعبير بليغ: “فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون”.
نعم لقد فارقتنا وهي في قمة الجمال والنضارة والنضج العقلي، تمارس الرياضة، وتعتمد الحمية في طعامها، ولا تشكو من شيء. كانت معها في غرفة النوم ابنتنا الرابعة آمنة. كأنها رأت كابوسا فصرخت أي آمنة عند السحر صراخا شديدا. لم يكن كابوسا بل أذان لقدوم لحظة الفراق. نعم كان فريق الموت يقوم بالترتيبات الجنائزية الأخيرة. سقطت في ساعة فما قامت ومضت في دربها الأبدي دون التفات إلى الخلف أما قلبها الفتي وجسدها الرائع فالبلى يأكله. هل هذا معقول؟ ألا كم الحياة قصيرة هشة مؤقتة كما عبر عنها الجنرال جاكسون من ضباط الجنوب في الحرب الأهلية الأمريكية. مثلته هوليود بعنوان آلهة وجنرالات (Gods and Generals).
هذا المرض الخبيث القاتل لا يعرف السن، وإن كان هجومه على مراكز الضعف من بني آدم بين مريض مدخن أو بدينا قصيرا يحمل السكري والكولسترول والضغط والإرهاق فكلها يسمونها عناصر الخطر (Risk - Factors). في الحديث “ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”.
هذا الكلام يصدق عضويا ونفسيا؛ ذلك أن القلب مركز الجسم، منه يتدفق كل الدم، ومنه يخرج كل الدم عبر أنابيب هائلة تقيس أحيانا إنشا (Inch = 2.5 cm)، ولكن أهم الشرايين وأكثرها غزارة وتروية في ضخ الدم هي الشرايين التاجية، التي تغذي القلب بالذات؛ فيشرب القلب ربع الدم المتدفق منه، كما تشرب أمريكا (قلب العالم) ربع البترول العالمي وهي مقارنة حقيقية.
هنا نجد طبقية في توزيع الدم. الأعضاء النبيلة ذات الوظائف الحيوية يلحقها قسم أكبر من حصة الدم، بترول الجسم. الدماغ أولا ثم الكليتان والكبد وهكذا. كمية البترول الذي تستهلكه إسبانيا يعادل ما تستهلكه القارة السوداء. ولكن من فسحة الكون الخارجية وبإطلالة من الستاليت يمكن رؤية أنوار أوربا زاهية مقابل القارة السوداء المظلمة.
الاحتشاء إذا ضرب القلب قد يكون في مساحة واسعة ويسمونه المعمم (Massive) وقد يكون محدودا في مساحة، ولكن مصيبة القلب أنه يخضع لقانون (كل شيء أو لا شيء) فيعلن الإضراب وتبدأ العضلة القلبية في الارتعاش (يسمونه رجفان أذيني Fibrillation) فيتوقف القلب كلية.
هنا يدخل المريض حالة الصدمة التي قد تنتهي بالموت ما لم يصعق القلب بالصدمة الكهربية (Defibrillator) وليست النجاة أكيدة.
موت الفجأة كما حدث مع زوجتي رحمها الله سببه في الغالب واحد من ثلاث، فإما كان انفجار أنورزما (أم دم يسمونها بالعربية وهي توسع كبير في أنبوب الشريان). صديقي دكتور الكلية من حوران وهو شاب قوي سقط فجأة وأغمي عليه، بسبب انفجار أم دم، ليس في الصدر بل في الرأس.
تحديدا قاعدة الجمجمة، حيث تجتمع سبع فروع من سبعة شرايين في قاعدة الدماغ. يسميها المشرحون (مسبع ويلليس). أدخل الزميل العملية بسرعة ووضع جراح الدماغ ملقط (كليبس) صغير على مكان التوسع الوعائي الصغير فسد الخرق ونجا صديقنا دكتور الكلية وهو لا يصدق. عجيب جدلية الوجود في هشاشة الإنسان ومعجزة الطب.
السبب الثاني خثرة كبيرة سدت أوردة الرئة، أو ثالث الثلاثة احتشاء قلبي واسع (يسمونه بالإنجليزية MI = Myocardial Infarction). طلب منا الأطباء في كندا تشريح الجثة فرفضت البنات ومضت الجثة في اتجاه واحد إلى الكفن والقبر والبلى. أصبحت ليلى سعيد مجرد ذاكرة. أليس عجيبا نهاية كل واحد منا. ينتهي في لحظة فيتحول إلى رواية تروى! حديثنا هنا ليس أكاديميا جافا، ولا بحثا للأطباء، بل هو ذلك المزيج من الفكر والعلم والطب والفلسفة والدين.
إنها مهمة المثقف في إنقاذ حياة المهمين من البشر، قبل إنقاذ عامة الناس؛ تماما كما في طبقية توزيع الدم بين القلب والأعضاء النبيلة والسيقان. إذا بتر الساقان عاش الإنسان، وإذا نزع الكبد مات في ساعات. وإذا انقطع الدم عن الكلية انتهت في أربعين دقيقة. أما توقف القلب فهي مسألة دقائق معدودة. هذه هي مهمة (الطبيب) المثقف: تبسيط العلوم.
صديقي المفكر الفيلسوف (أبو علي) اتصل بي يوما وقال أشعر بألم حاد في الصدر منذ البارحة. قلت له صفه لي؟ قال هو في منتصف الصدر. سألته هل يخف ويشتد يذهب ويأتي؟ قال لا بل هو ثابت جاثم. سألته هل ينتشر من مكانه؟ قال نعم ينتشر إلى الفك السفلي والكتفين. قلت له لا تبرح. حضر حقيبتك وملابسك وأغراضك الخاصة، وحضر نفسك لدخول العناية المركزة. قال لا تكبِّر الأمر ولا تهول، يكفي أن تفحص لي الضغط؟ قلت له لا تتحرك ولا تبذل أي جهد إضافي. أنا في الطريق إليك. اتصلت بصديقي طبيب القلبية، وقلت له اعتبر أنني من جاءك! قال سأكون في الطوارئ خلال دقائق. طرت بسيارتي واصطحبته وهو متماسك لم ينهار بعد. نعم الأمر كذلك فالعجلة هنا بركة. لقد خسرنا أخاه لاحقا بنفس العلة ولكنه مات؛ فلم ينجو بسبب البطء والتراخي، وذهبت لجنازته رحمه الله.
دخلنا الطوارئ والزميل مستعد. وضعه فورا تحت هجمة ملايين من وحدات مذيبات الجلطة (Streptokinase). كنت أتأمله. خلال لحظات (فرط). كادت الدمعة أن تخرج من عيني لا.. لا.. ولكنه بعد ثوان تنهد عميقا وقال أين أنا؟ عاد إلى الحياة. تابعه الدكتور في العناية الفائقة ونجا، ومازلت أحضه حتى اليوم على متابعة العلاج.
لقد استفدت من عالم الاجتماع (الوردي) فكرته حول السفسطائيين أنهم ليس كما شاع عنهم أنهم كانوا يجادلون من أجل الجدل مراءاة وقلبا للحقائق؛ بل كانوا في أثينا يؤدون دور المثقف في تبسيط العلوم للعامة.
باعتباري أمسك باليمنى نهارا مشرط الجراح، وفي الليل قلم الكاتب. من الأولى يسيل الدم الأحمر مهراقا ومن الثانية المداد الأسود مدرارا؛ فقد اخترت لنفسي ربما أنبل مهنتين؛ إنقاذ حياة البشر بالنهار وتحرير عقولهم بالليل.
وباعتباري جراح أوعية دموية فقد آليت على نفسي تحرير أوعية المدخنين المسطومة نهارا، وفي هدوء الليل أكتب المقالات تحريرا للعقول من الجهالة والتعصب والتحزب واجتهدت أن أكون بين ذلك قواما.