واجه المسيح ثلاثة خصوم هم الكتبة والفريسيون والصدوقيون. ربما أقرب تفسير لهم في وقتنا الاتجاه السلفي الحرفي ورجال السلطة ومن لا يؤمن باليوم الآخر من الملاحدة. وفي القرآن تأكيد على خصمين عتيقين في وجه الأنبياء هما الجبت والطاغوت وترجمة الكلمتين هي رجال الدين الفقهاء وعاظ السلاطين والطواغيت السياسية من يملكون الضمير بالرعب والفلق والحبوس والتعذيب.
لم يواجه الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر تحديا مثل الوقت الحاضر، المتدينون منحسرون ورجال الفلسفة يضحكون وأهل المخابر العلمية إذا مروا بهم يتغامزون.
نشأت آلهة شتى من العلم والفلسفة في الوقت الذي انزوى الدين في جحر الأيديولوجية. وانحشر البابا في كيلومترات قليلة في الفاتيكان. ومهمة شيخ الأزهر لعن الثورات ودعم الحكام العسكريين.
ولعله لم يعان العالم منذ زمن الأنبياء حتى اليوم ما يعانيه من الجفاف الروحي وعبادة آمون العجل الذهبي.
إنها قصة جحا قيمة الإنسان من ذهبه. فمن ملأ جحره بالذهب رفع علما يناسب المقدار وقد يكذب!
وفي الوقت الذي يتحول الدين إلى علم يصبح عالميا فلا يختلف الناس حولهما. كما في حبة الأسبرين وأشعة رونتجن وجراحات الكولون وخياطة الجروح بالبرولين.
هل يختلف جراح صيني عن صربي في فتح البطن الجراحي، أم هل يتوانى الطبيب الألماني عن السعودي في استخدام الطنين المغناطيسي (MRI) والتصوير الطبقي المحوري (CT-Scan).
إن مهمة المؤمنين محاولة صياغة معادلة تشبه معادلة آينشتاين بين الطاقة والمادة إنهما وجهان لحقيقة واحدة، أو أن المادة طاقة مكثفة، أو أن أحدهما يقود تلقائيا للآخر. كذلك علينا تحويل الدين إلى علم والعلم إلى دين. وطبيعة المهمة كما نرى أن نجعل من باحث الذرة السجود لرب العالمين بخشوع، ومكتشفات الكود الوراثي في نواة الخلية بثلاثة مليارات من الأحماض النووية أن يسبح العظيم الغفار.
إن هدف الأديان واحد هو الاهتداء إلى المطلق ومعنى الكون والوجود ونظامه، ولعلها خطوط تماس حول دائرة واحدة مليئة بالألغاز والقدسية والمعنى. وبذا يتوقف الصراع عند هذه الحافة.
الدين يحرر الإنسان من أعظم شعورين ساحقين بالتوقف في الزمن ونعضل الحركة. الحزن شد للماضي. والخوف توقف عن اقتحام المستقبل، وبالتحرر من هذين الشعورين تتحرر النفس بطلاقة وتسبح عبر الزمن الممتد بدون سلاسل.
هذا ما قالته الآية وكرره الإنجيل إنه يرفع عنه إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. ويكررها المسيح إن نيري خفيف.
يعتبر الدين بوصلة أخلاقية لا يمكن للفرد أن يعيش بدونها، والمؤسسة الدينية ماكينة رعب اخترعها رجال الدين بأسماء شتى من محاكم التفتيش والسنهدرين والأزهر وملالي قم ومفتي الجمهورية لتأييد الطغيان (تأملوا الحسون في سوريا)، وهو ما جمعت بينهما الآية القرآنية عن لعن الجبت والطاغوت: الطاغوت هو الطاغية وعسكره، والجبت هو رجل الدين بطربوش وعمامة ولفة وشروال وجلابية وقلنسوة وقفطان ومبخرة. يرسلون الجنود إلى المقابر ويملأون الجيوب بالدراهم.
حين حطم المسيح عليه السلام موائد الصيارفة وأعشاش بيت الحمام في معبد القدس صرخ فيهم الويل لكم حولتم معبد الله إلى ماخور! أيها القادة العميان إنكم كالقبور من خارج مطلي بالبياض ومن الداخل تملؤه النجاسات والعظام النخرة.
كذلك حال المؤسسة الدينية من أي دين كانت.
أمراض أهل الكتاب واحدة سواء يعبدون الصليب أو يحجون للكعبة أو يهزون رؤوسهم بجنب حائط المبكي أو يقرعون الصنج ويلبسون الأصفر في لاهاسا بالتيبت. ولم يكن لله أولاد أحباء من النصارى أو اليهود أو المسلمين أو البوذيين، بل يعذب الجميع بذنوبهم وأخطائهم واقترافاتهم.
كان ذلك في الكتاب مسطورا.