العدد 1662
الجمعة 03 مايو 2013
الكمبيوتر واختراق اللغات خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 03 مايو 2013

اللغات تمثل حواجز ثقافية بين شعوب الأرض، والترجمة حلت هذه الإشكالية.
وترجم الإنجيل إلى معظم لغات الأرض وكذلك القرآن.
ولكن المشكلة الملحة حاليا هي رغبة البنتاغون الأميركي في كسر حاجز اللغات، من أجل مراقبة العالم، بعد أحداث سبتمبر، وفي معهد الأبحاث (داربا Darpa) التابع للبنتاغون، ولد مشروع باسم (تايدس Tides) لهذا الهدف.
والأميركيون لهم باع طويل في هذا الموضوع، نظرا لتدفق كل الملل والنحل واللغات، إلى الشمال الأميركي بما يحيل نيويورك ومونتريال إلى بابل جديدة.
ولكن المسألة الأمنية حركت عندهم الرغبة الملحة لكسر حاجز اللغات، بأي ثمن، كي يفهموا ويراقبوا من يجب مراقبته؟
سواء كانت ألبانية أو بنغالية أو قفقاسية من الأديغا أو الشيشان؟
وفي الخمسينات بدأوا المشروع لكسر حاجز اللغة الروسية، كما كسروا الشيفرات العسكرية، من الانجما والأسرار النووية، ولكن بعد إنفاق المال الوفير، والجهد الكبير لم يصلوا إلى طائل، فوصلوا إلى القناعة القائلة أن اللغة معقدة، إلى الدرجة التي لا يمكن للآلة أن تحل هذا اللغز؟
وهذه الخلاصة تم إعادة النظر فيها من جديد، وبدأ خبراء التجسس في وكالة الأمن القومي (NSA)، في تجنيد خبراء الكمبيوتر لهذا الغرض، ومما ظهر إلى السطح أن المدعو (فرنتس جوزيف أوخ) تم إغراؤه من ألمانيا، والتقاطه إلى مدينة لوس أنجلوس، ليعمل في جامعة جنوب كاليفورنيا، لكسر حاجز اللغات الخرافي.
كانت بداية التعامل معه حينما تم تقديم عرض إلى أربعة فرق من خبراء الكمبيوتر في الأول من يونيو 2003م، أن ينطلقوا إلى فك اللغة الهندية، واستطاع هذا الشاب من مدينة آخن الألمانية، ولم يأخذ بعد الثانوية العامة، أن يكسر حاجز اللغة الهندية في أربعة أسابيع.
ويعترف الرجل أن ترجمة الهندية تحتاج إلى شيء من الجهد البسيط، ولكنها تعين بما يستطيع الإنسان أن يقرأ الأشياء الرئيسية، في جريدة عامة باللغة الإنجليزية، وهو يقلب صفحة هندية.
وتجربة الرجل جاءت من اهتمامه، بتسخير الكمبيوتر لقهر اللغات على نحو غريب غير الطرق التقليدية.
وعندما يتحدث إلى خبراء الإرهاب والجاسوسية الأميركيين يأخذ الإنجيل بيده، ويقول في البدء كانت الكلمة.
وهي الفقرة الأولى من إنجيل يوحنا.
ثم يقول إننا لا نعتمد قواعد النحو والصرف التقليدية، بل نعتمد ببساطة القوة البدائية الإحصائية للكمبيوتر وطاقة الحساب.
إننا بكلمة ثانية لا نعلم الكمبيوتر اللغة بل ندعه يتعلمها بنفسه.
ولشرح هذا فإنه يعتمد اللغات الموازية، وهو ما يذكر بالعمل الذي قام به فرانسوا شامبليون العالم الفرنسي عام 1822 م على حجر رشيد، الذي كتب عام 200 قبل الميلاد، وبثلاث لغات هي اليونانية الديموطيقية والهيروغليفية، وعثر على الحجر مع بعثة نابليون في مصر عام 1799م ولكن شامبليون سهر على الحجر 13 سنة، حتى كانت تلك الليلة التي انفكت فيها أسرار اللغة الهيروغليفية، فعادت إلى الحياة وخرج الفراعنة من قبورهم يتكلمون، وفاح المكان ببخور كهنة آمون فخرّ شامبليون صعقاً مغشيا عليه.
يقول الألماني (أوخ Och) إنه فك معظم لغات الاتحاد الأوربي الخمس عشرة، بما فيها اللغة الفنلندية المزعجة. وكذلك الصينية واليابانية بل وحتى لغة (السيبوانو Cebuano) في أحد جزر الفيلبين، ولا ينطقها سوى 19 مليون نسمة.
فعل ذلك كله في عشرة أيام؟.
ويقول إن أمر بعض اللغات لا يحتاج أكثر من ساعات.
كل ما تحتاجه هو تلقيم الكمبيوترات السريعة الكلمات، لتتفاعل في احشاء الجهاز، مثل طبخة المحشي، فيهضمها؛ فيتمكن منها؛ فيحولها مثل وشيعة الكهرباء، من لغة إلى لغة، فلا تحتاج كل لغة، كي تنقل على ورقة، من حجم A4 إلى اللغة الانجليزية أكثر من دقيقة واحدة؟
وطريقة عمل الكمبيوتر يعتمد على أسلوب مستحدث، كما ذكرنا عن حجر رشيد عن طريق اللغات الموازية، وبشيفرة مكونة من عشرة آلاف سطر، اخترعها الكمبيوتر لنفسه، كي يفهم في بحر نصوص اللغات المتوازية الجمل مترجمة من لغة لأخرى.
ولكسر جدار اللغة العربية مثلاً، فقد تم تلقيم الكمبيوتر بحوالي 150 مليون كلمة، من مصادر شتى باللغتين العربية والإنجليزية، من الإنجيل والقرآن، وكل النصوص الموجودة على ظهر الأرض، بما فيها المصطلحات، من نشرات الإذاعة والقواميس، ووثائق الأمم المتحدة، وباللغتين، ثم يقوم الكمبيوتر بفهم الكلمات المتوازية، وتوليد النصوص الجديدة المترجمة.
فمثلا كلمة الرجل الكبير، والرجل السمين، كما يقول أوخ باللغة الألمانية يعزل فيها الكمبيوتر الرجل؛ لأنه مشترك، ليقرر بعدها السمين والكبير. وحجم 150 مليون كلمة للغة العربية، تعني ما نشر على مدى ثلاثين سنة لمجلة تصدر أسبوعياً، وعلى مدار ثلاثين سنة، وتضم في المتوسط 300 صفحة.
ولكنها بالنسبة للغة الهندية لم تتطلب أكثر من ثلاث ملايين كلمة.
ومن الملفت للنظر أن الكمبيوتر بدأ بالتقاط أشياء جديدة في الترجمة، فلم يعد ذلك الصندوق الحديدي الغبي، بل بدأ يفهم جملة (من أين تؤكل الكتف) أنها لا تعني الأكل من الكتف، بل المهارة في التعامل؟!
أو في اللغة الهولندية لشعب يعشق الجبنة وصناعتها أن جملة (لم يأكل بعد من جبنة الدكان) أنها تفيد أنه لا يفهم في المصلحة؟
أو جملة (يضرب على أذنه Auf,s Ohr gehauen) باللغة الألمانية أنها لا تعني الضرب الحقيقي على الأذن بل الغش والاحتيال.
ويعترف (أوخ) أن عمله غير كامل، والكمال لله، وكثير من النصوص تهذي وتعرج وتنطق باطلاً ولغوا.
والمشروع حاليا يحبو مثل الطفل في أول مشيته..
أما نقل الشعر إلى الشعر فهو أمر بعيد المنال حالياً.
ومصلحة الجيش والاستخبارات في البنتاغون لم تصرف 22 مليون دولار هذا العام لعمل أكاديمي بل يهمهم (الميمي الثلاثي؟): من؟ متى؟ ماذا؟ ثم.. أين؟.
وأكثر همهم، ومبلغ حرصهم، فك أسرار اللغة العربية حاليا، وهي اللغة الأكثر اختراقا، وتطويعا في الكمبيوتر.
ولكن رب ضارة نافعة؛ فترجمة القرآن إلى كل لغات العالم لا تفيد في العمل الجاسوسي، بل نقل مفاهيم هذا الكتاب، إلى كل الجنس البشري محولا بأموال أميركا، وجهد رجال البنتاغون، غير مشكورين وندامى خزايا وكما يقول المثل اليهودي: “إذا رضي الله عنك ساق لك من يخدمك”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .