يفرح المسلمون بسقوط القسطنطينية عام 1453م ولكن هناك من يذكرها مع الدموع فهل كان فتحها إسلامياً؟ ثم ما هي النتائج المدمرة على العالم الإسلامي من وراء هذا الفتح المبين؟
إن المشكلة هي أن ما يفعله المرء يراه عين الصواب، ولا يخطر في بالنا أن تاريخنا قد يكون في بعض صفحاته مرباداً أسود كالكوز مجخياً.
نقلت قناة الديسكفري أن محمد الفاتح عرض يومها على الإمبراطور (قسطنطين الحادي عشر) تسليم المدينة مقابل تهجير جماعي لسكانها وتوطينهم في اليونان ما يذكر بفعلة ستالين مع التهجير الجماعي للشيشان أو الاقتلاع الجماعي لليهود على يد نبوخذ نصر أو مصير الأكراد في العراق على يد صدام المصدوم، قبل أن يصبح سلفا ومثلا للآخرين.
يقول (توينبي): (إن المؤرخين في العادة أميل إلى شرح آراء الجماعات التي يكدحون في محيطها منهم إلى نقدها).
إن عرض (محمد الفاتح) يذكر بشارون (المسبوت منذ سنوات في غيبوبة) وهو يريد احتلال القدس وطرد أهلها منها، ولكننا وتحت ضغط التحيز والرؤية الانتقائية نفقد حاسة النقد السليمة في أحداث طوتها لجة التاريخ.
وبغض النظر عن فظاعات الفتح وحجم النهب والسلب والاغتصاب على يد الانكشارية؛ فإن أول ما فعله الفاتح بأهالي المدينة المنكوبة، أن وضع يده على أقدس مقدساتهم، فدخل كنيسة (أيا صوفيا) التحفة التاريخية، التي أفرغ (جوستينيان) خزينة الدولة على بنائها، وحولها إلى فاتيكان شرقية، أي حوَّلها إلى مسجد، في فعل لا يوصف بروح التسامح الإسلامية، ولا يذكر بعمل الفاروق عمر، حينما دخل القدس بعباءة مرقعة، على ظهر حمار، مذكرا بالمسيح الذي دخل القدس بغصن الزيتون على ظهر حمار؛ فرفض الصلاة داخل كنيسة القيامة، حتى لا يتخذها بعض صغار النفوس، حجة للاستيلاء عليها، وتحويلها إلى مسجد؟
إن السيف الأموي في الأندلس، والمدفع العثماني في البلقان، يصلح تفسيرا لانحسار الإسلام عن أوروبا، لأنه لم يكن انتشارا على منهج النبوة، بل اجتياح عسكري، وفي عهد المنصور العامري فقط تم شن 52 حملة عسكرية في الأندلس، وهو أمر ازداد انفصالاً عن منهج النبوة مع تقدم الوقت، وبدا أشد وضوحاً مع النموذج العثماني.
ولا تقف مشكلة استخدام القوة و(الإكراه) على صورة الفتح الفجة البدائية، بل آثارها المدمرة، فبعد زوال الضغط عن الجناح الغربي في شبه الجزيرة الأيبيرية، انطلق تنين أوروبي برأسين برتغالي وإسباني، كرد فعل على حروب لانهاية لها، في هذه الحافة المشؤومة، وانطلق فرسان (الاسترداد) على نفس الحصان العربي، بعد تمرسهم الطويل على آلة الحرب ضد المسلمين لتدمير حضارات أميركا الوسطى والجنوبية.
وكما يقول المؤرخ البريطاني (توينبي) إن ردة الفعل في التاريخ لا تكون مثلها في الفيزياء، فهي هنا ليست مساوية في الفعل ومضادة في الاتجاه، كما في قانون نيوتن الثالث، بل أشد ارتكاساً، وفي أكثر من اتجاه، ما يشبه انفجار السرطان. وقوانين الفيزياء غير البيولوجيا أو السسيولوجيا.
ظهر هذا واضحاً في العنف الفائق الذي استخدمه الإسبان ضد حضارتي الازتيك والانكا. وفي العاصمة (تينو شتتلان) في المكسيك ذبح 240 ألفا من السكان، ما يعادل ثلثي سكان عاصمة تشبه نيويورك حالياً.
وفي البيرو تم تخيير (أواتا هوالبا) ملك الانكا بإنقاذه من الموت حرقاً بإعدامه شنقاً إن هو اعتنق المسيحية، ولم تنفعه فدية الذهب التي ملأها في غرفة ضمت ستة أطنان من الذهب، و12 طنا من الفضة، جمعت من أرجاء مملكة تعج بعشرة ملايين من السكان على مرتفعات الانديز.
وأما في شرق أوروبا فكانت نتائج الضغط العثماني أشد ترويعاً لأنه مع قطع طرق التجارة إلى الشرق استند الغرب بظهره إلى بحر الظلمات فقام بقفزته الكبرى إلى المجهول، وعلى ثلاثة محاور:
ـ (غربي) فاكتشف أربع قارات جديدة، وآلاف الجزر الغنية، ووضع يده على مضائق البحار، ومعها الثروة العالمية، واليوم يمتلك الغرب في جيبه ثمانية قروش ونصف من كل تسعة.
ـ وأما المحور (الشرقي) فأحكم شد الأنشوطة على عنق الضحية الإسلامية بالالتفاف حول أفريقيا.
ـ وكان المحور (الشمالي) ما قام به القوزاق الروس، فدمروا بقايا ممالك التتار واحتلوا القرم.
يجب أن يشكر الغرب الأتراك جدا على ما فعلوه.
وعندما نذكر تدمير بغداد على يد التتار نحزن. ولكن احتلال القسطنطينية هو في عين آخرين (تتار) من نوع مختلف، والأتراك على كل حال هم فصيل من التتار نزح من آسيا الوسطى. فمنهم من حصد لؤلؤة الشرق بغداد، ومنهم من وضع يده على جوهرة البوسفور القسطنطينية.
إننا عندما نذكر احتلال القسطنطينية التي عمرت ألف عام بعد انهيار روما، وذبح سكانها، وهرب علماؤها، نذكره بنشوة الفتح ونسميه إسلامياً. كل هذا يحدث تحت ظاهرة (الوعي الانتقائي) و(العمى التاريخي) فليس عندنا قدرة في مراجعة تاريخنا، ولا نعتبر مثلاً أن معركة صفين كانت كارثة توقف فيها المد الإسلامي الصحيح والأساسي، وظهرت إلى السطح نسخة إسلامية أموية مزورة صادرت الحياة الراشدية، وتدثر الخليفة مرتاحاً بين الغلمان والحريم بعباءة كسروية هرقلية، وتحولت دولة (العدل) إلى (إمبراطورية) بيزنطية، تجتاح الممالك بالسيف على مبدأ كرة الثلج، ويكبر جيش المرتزقة كل مرة ليفتح به بلدا جديدا وهلم جرا.
كان (أبو ذر) واعيا حينما قال للنظام الأموي: (أتريدونها هرقلية؟).
وهذا الشعور هو الذي دفع عمر بن عبد العزيز إلى وقف موجة الفتوحات العسكرية العدائية حتى مات مسموما على يد الأمويين بعد سنتين من حكمه.
إن هذا التحول في الحياة الإسلامية لم يدخل وعينا، كما إن إمكانية نفض تاريخنا لمعرفة ما حدث لم يبدأ العمل به بعد. ومازال تاريخنا مقدساً مصاناً بعيداً عن عين النقد وأدوات السبر والمراجعة. ومازالت روح الفتوحات والسيف تظلل الحياة السياسية حتى اليوم.
والشيء السيئ الذي حدث ولعله تأسس منذ مصالحة الفقيه (أبو يوسف) مع النظام العباسي حينما كتب كتابه (الخراج) إلى هارون الرشيد، فسيطر على العقل الإسلامي ومازال، أن الذي يتمكن بالسيف من قهر العباد و(يُمَكَّن له)، فرسخت نظرية (التمكين) التي هي ترجمة كلمة اغتصاب السلطة بحد السيف، وأصبحت شرعية الخلافة بسك النقود باسمه والدعوة والدعاء له كما هو جارٍ الآن في أركان العالم الإسلامي على ظهور المنابر يوم الجمع ولو كان من عتاة المجرمين.
وبذلك ودع المسلمون (الرشد) في إجازة مفتوحة إلى إشعار آخر.
وهذا التأسيس لفكرة (الإكراه) وعبادة القوة أخرجت نموذج الإنسان الخائف المنسحب الذي يردد: (ياللي أخد أمنا بنسميه عمنا) ويصفق لكل انقلابي ناجح، وأدخلت المرض إلى مفاصل الثقافة الإسلامية بأشد من الروماتيزم الخبيث.
ولم يخرج (الحداثيون) من قمقم الفكر التراثي ففكروا بنفس طريقة السفاح وأبو مسلم الخراساني؛ فاعتلوا ظهر الحصان العسكري لتحقيق طموحاتهم فأوردهم المهالك.
وعندما اعتمد (صلاح البيطار) أسلوب الانقلاب دفع ثمن ذلك أن وقع صريع رصاصهم في باريس.
إن في ذلك لآيات للمتوسمين.