من بداية خروج الشعب السوري معلنًا الثورة على النظام الأسدي، وبشار الأسد يلوّح بدخول عناصر إرهابية تابعة للقاعدة، لم يكن الناس آنذاك قد أخذوا هذه التهديدات على محمل الجد، إلا أن وجودها على أرض الواقع في هذا الاقتحام للثورة السورية من خلال “جبهة النصرة” هو تحقيق لنبوءة بشار، مما يؤكد ما ذكرته سابقًا في عدة مقالات أن القاعدة متواطئة مع النظام الإيراني وتوابعه في المنطقة العربية (النظام الأسدي- وحزب الله).
أتابع مذ فترة تسلسل أحداث الثورة، وتوقفت – مؤقتًا - عن الكتابة في الشأن السوري، بسبب هذه الأحداث الغريبة والتي لم أشأ أن أتعجل في قراءتي لها، إلا أنه وبعد الرؤية بمساحة أبعد للأحداث أجد أن دخول “جبهة النصرة” والتي لا يؤيد وجودها إلا قريب منها، أو من البسطاء السُذّج حيث يعتقد أنها السبيل الأوحد للخلاص من نظام الأسد. في حين من يتابع تحركاتها يجد أنها مجرد فقاعات تستغل الأوضاع المتردية التي يعيشها السوريون، لكسب تأييد ونيل شيء من الشعبية التي لم تحصل عليها القاعدة طوال كل تلك السنوات.
إن دخول القاعدة إلى الأراضي السورية، هو تحقيق لتهديدات بشار الأسد، عندما قال: “إن سوريا ستنتهي من بعده”، وهي تخريب لكل الأنشطة الدولية والعناصر الوطنية السورية التي تعمل لأجل شام نظيف يُحقق آمال أبنائه، ويُرضي طموحات مستقبلهم. وصار كما أراه أرضًا بديلة عن (أفغانستان) تحقق أحلام الإرهابيين، وتُرضي طموحاتهم الدموية في بقعة أقرب جغرافيا للداخل العربي!
هل خط سير الثورة السورية، كما بدأ في سياقه الراقي الذي يستحق أن يُسمى ثورة ضد الظلم والفقر ولإنهاء نظام مجرم يكره كل الناس حتى نفسه؟ لا أظن، فلم تعد الثورة السورية ثورة شعبية، ولم تعد الأحداث إلا مسرحًا لجريمة ضد جريمة، وأرضًا تتربع فيها منظمة القاعدة فهي تُمثل لهم الأرض الخصبة البديلة لأفغانستان، وها هم يبايعون (أيمن الظواهري) واليًا للشام والعراق بحسب أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة، والذي لا يعرف أحدًا هويته ولا موقعه، وهذا ما يعزز أن وراء بيانه شيئا خفيا وربما الإعلان في هذا الوقت أيضا يؤكد أن لبشار وإيران يدا طويلة في هذا الإعلان، خصوصًا أن الثورات لا يمكن أن تقوم على هويات متخفية! والغريب أن الجولاني هذا لم يكشف عن هويته أو يميط اللثام عن وجهه حتى في أهم اجتماعات الجبهة، ويأتي إعلانهم بمبايعة الظواهري بكل ثبات وثقة على أنه البديل لبشار الأسد، وكأن الشام موعودة بقيادة إرهابية مدى الحياة!
إن سكوت السوريين عن هذه المهزلة، خصوصًا النُخب ورؤوس المعارضة، هو قبول ضمني بالبديل الإرهابي، وهذا ما أفقد الثورة السورية مؤخرًا كثيرًا من تعاطف الدول والأشخاص، فما من أحد سيقبل بالقاعدة الإرهابية مهما كان، وما من عاقل سيؤيد إزالة الإرهاب بإرهاب مثله أو أشد منه. وإن كان منهم من يعتقد كما قرأت مِن – البعض - أن المهم هو تخليص سوريا من النظام الأسدي، وبعدها لكل حادث حديث فهو مخطئ. لذا فالسوريون اليوم مطالبون بإنهاء المهزلة – إن استطاعوا - وإن لم يكن، فلنقرأ على سوريا السلام!